تيتوس بوركهارت: الإنسان "مرآة" تعكس الملكات الإلهية... وسرّ امتناع الفن الإسلامي عن التصوير

أضيف بتاريخ 07/02/2026
دار سُبْحة

تُعدّ الأبعاد الروحية للإنسان عند المستشرق السويسري تيتوس بوركهارت (1908-1984)، الذي اعتنق الإسلام وحمل اسم إبراهيم عز الدين، وثيقة الصلة بأصول علم الكلام والتصوف، لكنها قراءة تأويلية حديثة تقوم على إبراز المعنى الباطني لـ"الصورة الإلهية" وآثارها في الفلسفة والفن الإسلامي. وكان بوركهارت، الذي اعتنق الإسلام في المغرب عام 1933 وانتمى إلى الطريقة الدرقاوية الشاذلية، أحد أبرز ممثلي ما يُعرف بـ"الفلسفة التقليدية" أو "الخالدة" (Philosophia perennis)، إلى جانب صديقه فريتجوف شوون والمفكر رينيه غينون.



سبع ملكات كلية... لا صورة جسدية

انطلق بوركهارت من حديث "إن الله خلق آدم على صورته" ليقرّر أن هذه الصورة لا تتصل بالهيئة الجسدية، بل بمجموعة من الملكات الكلية التي يُنسب مثلها إلى الله تعالى، وهي: الحياة، والعلم، والإرادة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام. ويشرح أن هذه الصفات في حق الإنسان محدودة مقيدة، بينما اتصاف الحق بها اتصاف مطلق لا يحدّه قيد، وبذلك يتحقق التشابه من جهة المعنى الأصلي والتباين من حيث الدرجة والمرتبة. وهذا التمييز بين الكيفية الإلهية غير المتناهية والكيفيات البشرية المحدودة يستعيد منطق التنزيه الذي رسّخه المتكلمون، مع إفساح مجال واسع للتأمل الصوفي في معنى "المرآة" التي تعكس الأسماء الإلهية في عالم الإمكان. وفق هذا الفهم، يصبح الإنسان حاملاً لـ"الصورة الإلهية" بما هو كائن واعٍ حيّ، قادر على المعرفة والإرادة والتعبير، لا بما هو جسد مادي له ملامح مرسومة وحدود شكلية. فالذات الإنسانية، في تحليل بوركهارت، تتقوم بهذه الملكات السبع التي لا تُرى ولا تُمس، بل تُدرك من خلال آثارها في السلوك والعقل واللغة، بينما يتحول الجسد إلى مجرّد حامل لهذه الحقيقة الباطنة. وهذه القراءة تقرّب بين الرؤية القرآنية للإنسان خليفة في الأرض وبين التصور الفلسفي والصوفي للإنسان بوصفه نقطة التقاء بين العالم الحسي والعالم الروحي، حيث تتجلى الأسماء الإلهية في مجال محدود ومشروط.


لماذا يتجنّب الفن الإسلامي تصوير المقدّس؟

من هذه الزاوية يربط بوركهارت بين العقيدة وبين الذوق الفني، فيرى أن الفن الإسلامي تجنّب تحويل الإنسان، ولا سيما الأنبياء والأولياء، إلى موضوع لصورة تشخيصية جامدة، لأن الصورة الجسدية، مهما بلغت من الإتقان، لا يمكن أن تنقل حقيقتها العليا المتمثلة في العلم والإرادة والكلام وسائر الملكات غير المحسوسة. ويعتبر أن أي تمثال أو لوحة تجسّد الوجوه المقدسة ستبقى محصورة في سطح المادة، أي في "القشرة" التي لا تنفذ إلى العمق الروحي الذي به تتحقق الخلافة عن الله في عالم المظاهر. لذلك يميل إلى قراءة الامتناع عن تصوير الذات الإلهية، وإلى حد بعيد الأشخاص المقدسين، كاختيار جمالي ولاهوتي في آن واحد، يجنّب الخلط بين النسبي والمطلق ويحافظ على مركزية الوحي كنص وككلمة.


الخط والزخرفة: حضور صامت للكلمة الإلهية

في مقابل غياب الصورة التشخيصية، يبرز عنده دور فنون أخرى مثل الخط العربي والزخرفة الهندسية والتكوينات اللانهائية التي تعبّر عن تنزيه الحق وتعدد تجليات أسمائه دون أن تُحصر في هيئة بشرية. فالخط الذي يحمل الآيات والأذكار، مع البناء الهندسي المتكرر المفتوح على الامتداد، يمثل عنده حضوراً صامتاً للكلمة الإلهية وللنظام الكوني، ويمنح المتلقي إمكان التأمل في المعاني دون اصطدام بصورة مجسمة لله أو لرسوله. وفي هذا الأفق يصبح الفراغ في الصورة، أو "البياض" المحيط بالزخرفة، مجالاً دلالياً مقصوداً يذكّر بما لا يُحاط به ولا يُجسَّد، وهو ما تناوله بوركهارت مطولاً في تحليله لـ"الفراغ في الفن الإسلامي".


إرث فكري عابر للأديان

بهذا البناء النظري يقدّم بوركهارت الإنسان بوصفه "مرآة" تعكس هذه الملكات الكلية في حدود العالم المخلوق، ويقدّم الفن الإسلامي بوصفه محاولة لصون هذه الحقيقة من الاختزال في تماثيل وصور، من خلال توجيه الحس الجمالي نحو الكتابة، والعدد، والإيقاع، والفراغ، بدلاً من استنساخ الأجساد. وتجدر الإشارة إلى أن بوركهارت لم يقتصر في مشروعه الفكري على الإسلام، بل عمل أيضًا على دراسة الفن المقدّس المسيحي وقدّم مساهمات في الحفاظ على التراث المعماري لمدينة فاس المغربية بصفته خبيرًا لدى اليونسكو. ويسهم هذا التصور الشامل في تفسير حساسية جزء واسع من التراث الإسلامي تجاه تصوير الأشخاص المقدسين، كما يفتح أمام الباحث المعاصر، أيًّا كانت ديانته، باباً لقراءة العمارة والزخرفة والخط كامتداد صامت لعلم الكلام والتصوف في المجال البصري.