أوهام الوادي بين البابوية والذكاء الاصطناعي

أضيف بتاريخ 07/03/2026
دار سُبْحة

يقدّم مقال «أوهام الوادي» (Idols of the Valley) للباحث الأمريكي يوڤال ليفين، مدير الدراسات الاجتماعية والثقافية والدستورية في معهد American Enterprise Institute ورئيس تحرير مجلة National Affairs، قراءة نقدية مطوّلة لأول رسالة بابوية حول الذكاء الاصطناعي «Magnifica Humanitas» للبابا ليو الرابع عشر، معتبراً أنها نص طموح من حيث النوايا، لكنه غير مكتمل من حيث القدرة على استيعاب حجم التحول التاريخي الذي تمثله نماذج الذكاء الاصطناعي المعاصرة. ينطلق ليفين من موقع قارئ يهودي متمرس في تقاليد الفكر الأخلاقي والسياسي، ومتقاطع في كثير من محاوره مع أنثروبولوجيا الأخلاق الكاثوليكية، ليقترح إطاراً آخر لفهم اللحظة الرقمية الراهنة بوصفها لحظة لغوية ولاهوتية في آن واحد، تتطلب تفكيراً أعمق في مسألة عبادة الأصنام في العصر الرقمي.



برج بابل وأسوار القدس: استعارتان كتابيتان

يذكّر الكاتب بأن البابا الجديد قدّم نفسه منذ بداية حبريته كامتداد بعيد للبابا ليو الثالث عشر، الذي صاغ في خضم الثورة الصناعية رؤية أخلاقية واجتماعية لما سُمّي آنذاك «المسألة العمالية» في رسالته «Rerum Novarum»، بينما يجد ليو الرابع عشر نفسه مضطراً إلى صياغة مقاربة شبيهة تجاه «المسألة الاصطناعية» قبل أن تتضح معالمها بالكامل، وذلك بعد 135 عاماً من تلك الرسالة. ويضع ليفين مقارنة مباشرة بين الرأسمالية الصناعية والذكاء الاصطناعي، قائلاً إن تشبيه هذا الأخير بالرأسمالية ليس مبالغة بل محاولة لقياس مدى عمق التغيير، مع فارق أن ليو الثالث عشر كتب في لحظة نضج نسبي للرأسمالية الصناعية، بينما يتحرك البابا الحالي في ضباب مرحلة مبكرة من ثورة لا تزال في طور التشكّل. يتوقف المقال عند الجزء الكتابي من الرسالة البابوية، حيث يستعيد النص مثالين من العهد القديم: برج بابل في سفر التكوين، وإعادة بناء أسوار القدس في سفر نحميا. بالنسبة إلى ليفين، يتعامل البابا مع هذين المثالين كصورتين متقابلتين لمشروعين هندسيين وتقنيين: الأول قائم على الطموح المفرط والتوحيد القسري للغة والسلطة، والثاني على إعادة بناء جماعية تحظى بقبول إلهي وتستند إلى حس عملي متدرج. من هنا يقرأ الكاتب دعوة البابا إلى أن يكون السؤال الأساسي في عصر الذكاء الاصطناعي هو «لمن نبني وماذا نبني»، لا «نعم أو لا للتكنولوجيا»، مع تشديد على ضرورة إخضاع الابتكار لمنظور أنثروبولوجي يحدد ماهية الإنسان قبل تعريف وظيفة الآلة.



تعريف سلبي... وأسئلة معلّقة

غير أن ليفين يلاحظ أن القسم المتعلق بالتكنولوجيا الرقمية عموماً، والذكاء الاصطناعي خصوصاً، يعيد إلى حد بعيد النقاشات الأخلاقية المتداولة منذ سنوات حول الخصوصية، والاستغلال الجنسي عبر الشبكات، وحدود استخدام الشاشات في الطفولة، وتركيز السلطة لدى شركات التكنولوجيا الكبرى، مع إضافات مثل انتقاد الاعتماد على الناتج المحلي الإجمالي كمؤشر وحيد للرفاه. يرى أن هذه المقاربة تظل متأثرة أكثر من اللازم بأطر فكرية تعود إلى النصف الثاني من القرن العشرين، ما يجعلها عاجزة عن التقاط خصوصية ما يسميه «الاختراق اللغوي» الذي تمثله النماذج اللغوية الكبيرة. حين ينتقل البابا إلى تعريف الذكاء الاصطناعي، يتبنى ما يسميه ليفين «تعريفاً سلبياً»، إذ يعدد ما لا يملكه النظام الاصطناعي: لا جسد، لا تجربة، لا ألم أو فرح، لا روابط بشرية، ولا وعي أخلاقي قادر على التمييز بين الخير والشر، بل مجرد قدرات إحصائية عالية على معالجة البيانات ومحاكاة اللغة والسلوك والتعاطف دون أن «يفهم» ما ينتجه. يعتبر الكاتب هذا المسار مفهوماً من حيث الهدف، أي منع إسقاط الصفات البشرية على النظام الاصطناعي، لكنه يراه قاصراً لأنه يتوقف عند النفي ولا يقدم إطاراً إيجابياً لتعريف ما هو هذا الكيان الجديد فعلاً.



«الاختراق اللغوي»: قراءة ليفين الخاصة

في قراءته الخاصة، يقترح ليفين أن جوهر التحول الحالي يكمن في ما يسميه «إلغاء الحواجز اللغوية» بين البشر والآلة، وكذلك بين اللغات البشرية ذاتها، عبر نماذج قادرة على تلقي التعليمات باللغة الطبيعية وإرجاع مخرجات معقدة باللغة نفسها دون المرور بلغة برمجية وسيطة. يستند في ذلك إلى تحليل اقتصادي وفكري سبق أن قدمه الخبير أرنولد كلينغ، الذي يرى أن فهم اللغة الطبيعية يحول النماذج من أدوات تحتاج إلى خبرة تخصصية إلى «شركاء تعاونيين» متاحين لكل من يعرف صياغة الأفكار بالكلام أو الكتابة. بهذا المعنى، تصبح القدرة على تشغيل قوة حوسبة ضخمة بأوامر لغوية غير مقيدة نوعاً جديداً من القوة التقنية لم يسبق أن امتلكته المجتمعات البشرية. ينفتح هذا التوصيف على سلسلة أسئلة فلسفية ولاهوتية حول ماهية التفكير، وما إذا كان يمكن اختزاله إلى عمليات ربط بين مدخلات ومخرجات لغوية. يقر ليفين بأنه يميل إلى قبول الفرضية القائلة إن النماذج لا «تفكر» ولا «تشعر» كما يفعل البشر، لكن يصر على أن هذا الانطباع الحدسي غير كاف أمام أنظمة تنتج نصوصاً وتحليلات وأشكالاً من التعبير تشبه إلى حد كبير ما ينتجه الإنسان، وأحياناً تتفوق عليه في بعض المهام. من هنا تنتقل الأسئلة من مستوى الافتراض الميتافيزيقي إلى مستوى السياسة الأخلاقية: كيف يمكن للكنائس والأديان والمؤسسات الفكرية أن تتعامل مع تقنيات تدفع البشر إلى التسليم بنتائجها دون المرور بالجهد الذهني والروحي الذي عادة ما يصاحب إنتاج الحكم أو القرار؟


المزمور 115 والأصنام التي "لا تتكلم"

ينتقد ليفين اختزال البابا لمفهوم الأصنام في عبارة «عبادة الربح» وحدها، معتبراً أن القرن الحادي والعشرين مليء بأشكال متعددة من الأصنام التي تتجاوز المجال الاقتصادي. بالنسبة إليه، يشكل الذكاء الاصطناعي المرشح الأبرز لأن يتحول إلى نمط جديد من الأصنام، لا لأن الآلات تمتلك وعياً أو إرادة، بل لأن البشر يميلون إلى التعامل مع نتائجها بوصفها سلطة معرفية ونهائية تعفيهم من مشقة التكوين الداخلي للعقل والقلب. هنا يستدعي الكاتب المزمور 115 من العهد القديم، الذي يصف أصناماً «لها أفواه ولا تتكلم، أعين ولا تبصر، آذان ولا تسمع»، ثم يحذر من أن صانعيها والعابدين لها يصبحون مثلها، أي أقل إنسانية. يقرأ ليفين هذا النص الكتابي بوصفه وصفاً دقيقاً لخطر «الاختصار» الذي تعد به الأصنام القديمة والجديدة على السواء. فالإله التوراتي، كما يفهمه الكاتب، يطلب مساراً طويلاً من التشكيل الأخلاقي والنفسي، بينما تعد الأصنام بتقديم منافع مادية أو رمزية دون المرور بهذا المسار. في هذا المنظور، يغدو الذكاء الاصطناعي نوعاً من «أداة الاختصار»، حيث يمكن لمستخدمه أن يحصل على مقالات، وخطب، وتحليلات، وحلول عملية دون أن يقوم بالعمل الذهني والعاطفي الطويل الذي يكوّن بنية الشخصية والضمير.


العمل المقبل: مسؤولية مضاعفة على القيادات الدينية

يخلص المقال إلى أن الرسالة البابوية، رغم قوتها في إعادة تأكيد مركزية «أنثروبولوجيا بشرية» في النقاش حول التقنية، تظل متحفظة أكثر من اللازم حيال قدرات الذكاء الاصطناعي ومستقبلها، ما قد يقود إلى تقليل من شأن الانعطاف التاريخي الجاري. يرى ليفين أن هذا التحول سيضطر الإنسانية إلى إعادة رسم الحدود بين ما هو خاص بالإنسان وما يمكن للآلة أن تنجزه، بطريقة قد تكون مؤلمة لأنها تنطوي على تنازل عن بعض التصورات القديمة حول التفرد البشري، لكنها تتيح أيضاً تعميقاً جديداً لفهم الإنسان لذاته إذا تم التعامل مع اللحظة بروح نقدية وتكوينية في آن واحد. يضع الكاتب في النهاية مسؤولية مضاعفة على عاتق القيادات الدينية والفكرية، من الكنيسة الكاثوليكية إلى التيارات اليهودية وغيرها، معتبراً أن التحدي لا يقتصر على إصدار تحذيرات عامة من مخاطر الآلة، بل يتطلب بلورة خطاب تربوي وروحي يهيئ الأفراد والجماعات للعيش مع أدوات قادرة على تقديم «اختصارات» جذابة في كل مجال تقريباً. يدعو ضمناً إلى تحول في دور المؤسسات الدينية والفكرية من مجرد مراقب نقدي للتكنولوجيا إلى فاعل يقدم أطر استعمال، وسلوكات يومية، وقواعد تكوين، تمنع تحوّل الأدوات إلى أصنام، وتحول دون انزلاق الإنسان نفسه إلى وضعية «أداة» ضمن منظومات تقنية واقتصادية أوسع.


مقاطع فيديو ذات صلة