الصورة الإلهية بين الإسلام والمسيحية والهندوسية

أضيف بتاريخ 31/08/2026
دار سُبْحة

يكمن الفارق المركزي بين مفهوم "الصورة الإلهية" في الإسلام وغيره من الأديان في النقطة التي تُوضَع فيها العلاقة بين الإنسان والإله: أهي في باطن الإنسان كملكات ومعانٍ، أم في الجسد المتجسد، أم في الرمز المرئي الذي يُستعمل كجسر نحو المطلق.



في التصور الإسلامي الكلاسيكي، حُمِل حديث «إن الله خلق آدم على صورته» على أن المراد ليس المشابهة في الذات أو الجسد، بل اشتراك الإنسان مع ربه في أصل معانٍ كلية على جهة التقييد؛ كالحياة، والعلم، والإرادة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، مع بقاء هذه الصفات عند الخالق مطلقة كاملة أزلية، وعند المخلوق محدودة حادثة ناقصة. يَستند هذا الفهم إلى نصوص قرآنية تُقرر التفرد الإلهي المطلق «ليس كمثله شيء» مع إثبات صفات السمع والبصر وغيرها، بحيث يكون الإنسان مخلوقاً مكرَّماً يملك القدرة على المعرفة والخطاب والاختيار، من غير أن يرقى إلى أي قدر من المماثلة لذات الله. وبهذه القراءة يغدو "كون الإنسان على صورة الله" تعبيراً عن قابلية الكائن البشري لحمل هذه الملكات الروحية، لا عن صلاحية جسده لأن يكون موضوع تمثيل تشبيهي أو مجسَّد للحقيقة الإلهية.


من هذه الخلفية العقدية نشأ حذر شديد من كل تشخيص بصري للشخصيات المقدَّسة، وعلى رأسها الأنبياء، بدعوى أن الصورة الجسدية لا طاقة لها على استيعاب النور المعنوي لهذه الملكات ولا على نقل حقيقتها إلى المتلقي. فكل تمثال أو لوحة تجسّد النبي، في هذا المنظور، تبقى أسيرة حدود الجسد ولغته، بينما الرسالة القرآنية توجه البصر نحو آيات القدرة في الكون والكتاب، لا نحو ملامح وجه أو هيئة جسم. من هنا تبلورت حساسية خاصة تجاه التمثيل التشخيصي داخل المجال التعبيري الإسلامي، دعمتها فتاوى فقهية تقرن بين التصوير المجسَّم وبين إمكان الانزلاق إلى التعظيم المفضي إلى نوع من العبادة، ولو على نحو غير مقصود. ولهذا تحوّل الفن البصري في الحضارة الإسلامية إلى فضاءات من التجريد الهندسي والزخرفة النباتية وفن الخط، تغلب عليها الإيقاعات والألوان والعلاقات الشكلية، بوصفها أشكالاً تحيل إلى النظام والانسجام دون أن تُحاكي هيئة بشرية محددة.


في المقابل، ارتبط مفهوم الصورة في اللاهوت المسيحي الشرقي الأرثوذكسي بعقيدة التجسد، حيث يُفهم المسيح على أنه "الصورة" أو "الأيقونة" الكاملة لله غير المنظور، مع ما يستتبعه ذلك من أن الجسد البشري الذي اتخذه الكلمة الإلهي أصبح حاملاً شرعياً للكشف عن اللاهوت. وقد دافع المجمع المسكوني السابع في نيقية الثانية عن مشروعية الأيقونة، مؤكداً أن الإكرام المتجه نحو الصورة إنما يُراد به الشخص المرسوم لا المادة من خشب أو لون، وأن تكريم الأيقونة يظل "سجوداً نسبياً" لا يرقى إلى عبادة الله التي تبقى محصورة في ذاته. هذا المجمع ربط الدفاع عن الأيقونات بالدفاع عن عقيدة التجسد نفسها، بحجة أن رفض تمثيل المسيح بصرياً يقوّض الإقرار الواقعي باتخاذه لحماً ودماً ودخوله في التاريخ المادي. ومن ثم غدت الأيقونة جزءاً لا يتجزأ من الحياة الليتورجية، تُعامل بوصفها "إنجيلاً مرسوماً" يعلّم العامة حقائق الخلاص بلغة اللون والوجه والنظرة، لا بلغة النصوص وحدها.


هذا التأسيس اللاهوتي جعل للوجه الإنساني للمسيح موقعاً مركزياً في تشكيل الفضاء الكنسي، بما يحمله من أبعاد تعبدية وتعليمية في آن، الأمر الذي يقف على طرف نقيض مع الميل الإسلامي إلى إفراغ الحيّز المقدس من التشخيص لصيانة مبدأ التوحيد وتجنيب المتلقي أي التباس بين تعظيم الله وتعظيم صوره المحتملة. فحيث ينتقل اللاهوت الأرثوذكسي من الإله المتجسد إلى الأيقونة التي تشهد لهذا التجسد، يدفع المنظور الإسلامي المتلقي إلى تجاوز كل صورة حسية بحثاً عن حضور إلهي لا يتجسد في شكل، بل تتلقاه القلوب عبر الإيمان والعمل والمعرفة.


أما في الهندوسية، فيحتل "المورتي" مكانة محورية بوصفه الصورة المقدسة أو التمثال الذي يُتعامل معه كموضع لتجلي الإله، لا ككتلة مادية صماء. يَستند هذا التصور إلى رؤية ميتافيزيقية ترى أن المطلق (براهمان) متعالٍ عن التعيّن وفي الوقت نفسه حاضر في شتى الأشكال، بحيث يمكن للذات الإلهية أن "تسكن" رمزاً مادياً بعد طقس "برانا براتيشثا" الذي يُفهم على أنه استدعاء للحياة الروحية في التمثال. وبهذا تصبح الصورة في المعبد أو البيت أشبه بـ"وعاء" يُيسّر على الحس البشري إدراك بعض جوانب الحقيقة التي يستعصي تصورها في تجريد كامل، مع تعدد للأشكال والأسماء يُقرأ –عند كثير من المفكرين الهندوس– كتنويعات على حقيقة إلهية واحدة.


مع ذلك، يتفاوت الفهم داخل التقليد الهندوسي نفسه بين من يعتبر المورتي أداة تأملية تُعين على التركيز على الصفات الإلهية، ومن يراها تجلياً حقيقياً لحضور الإله، بحيث يغدو التمييز بين الرمز والمُمثَّل أقل حدة. في كلتا الحالتين يحتفظ الجسد المنحوت أو المرسوم بمكانة إيجابية، لأنه يسمح بترجمة علاقة العابد بالمطلق إلى طقوس ملموسة من القربان والنظر والمصافحة واللمس، بما يمنح العبادة بعداً حسيّاً مكثفاً. وهذه الرؤية تقف مرة أخرى على مسافة واضحة من التحفظ الإسلامي من تجسيد العلاقة مع الله في هيئة مرئية، وإن كانت تلتقي –على مستوى معين من التأويل– مع قراءات صوفية إسلامية استعملت فكرة "الأسماء والصفات" لتفسير كثرة الصور الدينية في العالم بوصفها إشارات متعددة إلى حقيقة واحدة.


عند جمع هذه الخطوط الكبرى يبرز أن الإسلام يميل إلى قراءة "الصورة الإلهية" باعتبارها استعداداً روحياً ومعرفياً مكثفاً في باطن الإنسان، يُراد له أن يصفو من الأغيار حتى يصبح القلب كأنه مرآة تعكس معاني الحياة والعلم والإرادة وغيرها على قدر الطاقة البشرية. في حين تنطلق المسيحية الأرثوذكسية من أن تجسد الكلمة منح الجسد البشري، في شخص المسيح، شرعية دائمة ليكون حاملاً لحضور النعمة، ومن ثم ليشكل أساساً لمشروعية الأيقونة بوصفها امتداداً حسياً لهذا الحضور في الزمن الكنسي. أما الهندوسية فتتعامل مع الصورة البشرية أو الحيوانية أو الرمزية باعتبارها بوابات متعددة نحو الواحد، تنفتح عبرها إمكانية التواصل مع المطلق على مستوى شعائري وشعوري لا يقل أهمية، في نظر أتباعها، عن التأمل الذهني المجرد.


على هذا الأساس يمكن القول إن ما يبدو للوهلة الأولى تشابهاً في عبارة "خلق الإنسان على صورة الله" ينقلب، من منظور فني ولاهوتي، إلى ثلاثة مسارات مختلفة جذرياً: مسار يُفضِّل التجريد المعنوي ويحوط الحواس بسياج من التحفظ، ومسار يُعلي من شأن الوجه الإنساني المتجسد كمرآة للاهوت، ومسار يوسّع من فضاء الرموز المرئية حتى تصبح حواملاً لتجليات مطلقة متعددة.