ارتبط اسم زليخة بألقاب متعددة مثل «سوليكا هاشويل» و«زيلخة الطنجاوية» و«لالة زليخة»، وهي تُعد اليوم من أكثر الشخصيات النسائية اليهودية المغربية تداولًا في الأدبيات التاريخية والاستشراقية المعنية بالعلاقات الإسلامية اليهودية في القرن التاسع عشر.
نشأة في طنجة وسياق قضية "التحوّل" الديني
تجمع الروايات الأساسية حول سيرة زليخة على أنها نشأت في بيئة يهودية محافظة بطنجة، حيث تلقت تعليمًا دينيًا مبكرًا واكتسبت سمعة محلية بسبب تمسكها الشديد بهويتها الدينية رغم الاحتكاك اليومي بالمجتمع المسلم المجاور. تشير المصادر إلى أن سياق انتقالها إلى فاس ارتبط بنزاع حول مسألة التحول الديني، إذ اتُّهمت بأنها اعتنقت الإسلام ثم عادت إلى اليهودية، وهو ما وضعها في قلب جدل فقهي وقضائي في زمن كانت فيه علاقة الدولة بالمِلَل الدينية تحكمها توازنات دقيقة بين حماية أهل الذمة وضبط المجال الديني العام.
من الملف القضائي إلى الرمز الديني
تفيد المصادر المتاحة بأن السلطات في فاس تعاملت مع الملف باعتباره قضية "ردة"، بعد أن اعتبر القضاة أنها نطقت بالشهادتين ثم أنكرت ذلك لاحقًا وأعلنت تمسكها بيهوديتها، وهو ما انتهى إلى إصدار حكم بالإعدام وتنفيذه علنًا سنة 1834. لاحقًا، أعيدت صياغة هذه القصة في كتابات رحالة ومبشرين ومؤرخين أوروبيين بوصفها نموذجًا لـ"الاستشهاد" اليهودي في بلاد الإسلام، فيما تُقدّم بعض المصادر اليهودية المغربية التقليدية القصة في إطار أكثر محلية، يربط بين سيرتها وممارسات التدين الشعبي وزيارة الأضرحة النسائية ذات الرمزية الدينية والاجتماعية. تجدر الإشارة إلى أن هذه الروايات تعكس زوايا نظر متعددة لحدث واحد، وأن التفاصيل الدقيقة للوقائع القضائية تبقى محل نقاش بين المؤرخين.
طبقات السرد: الفقهي، الشفوي، والاستشراقي
على مستوى التلقي، أنتجت قصة زليخة هاشتويل طبقات متراكبة من السرد؛ فهناك أولًا الرواية الفقهية الرسمية التي تحوّل القضية إلى ملف قضائي متعلق بالتحقق من صحة النطق بالشهادتين ومعايير ثبوت الإسلام أو نفيه. ثم هناك الروايات الشفوية اليهودية التي تمنحها مكانة "الفتاة التقية" الرافضة لتغيير دينها رغم الضغوط، مع حضور قوي للعناصر العاطفية والرمزية في وصف علاقتها بأسرتها وبالمدينة التي وُلدت فيها. وفي مستوى ثالث، استثمرت بعض الكتابات الاستشراقية هذه القصة لإبراز التوترات المحتملة بين سلطات مسلمة ورعايا يهود في شمال أفريقيا في زمن الصعود التدريجي للنفوذ الأوروبي في المنطقة، ما جعل من سيرة زليخة مادةً كثيفة لتأويلات سياسية وثقافية تتجاوز إطارها القضائي الأصلي.
من الذاكرة الشفوية إلى الفضاء الرقمي
يلاحظ المتابع للمصادر المتاحة أن مادة ويكيبيديا العربية عن زليخة هاشتويل، وإن كانت موجزة، تعكس هذا التعدد في التسميات وتضع الحدث في إطار زمني وجغرافي واضح: طفولة في طنجة، ونهاية مأساوية في فاس سنة 1834، مع إحالة ضمنية على شبكة أوسع من المراجع التاريخية باللغات الأوروبية والعبرية. هذا التركيب المختصر يفتح المجال أمام عمل تحريري أعمق يمكن أن يستثمر المقارنة بين الروايات المحلية والمصادر الأجنبية، خصوصًا أن جزءًا مهمًا من سردية زليخة صيغ خارج المغرب، ثم أُعيد إدخاله في الذاكرة المغربية المعاصرة عبر وسائط رقمية ومنصات معرفية مفتوحة.
قراءة تحريرية: أقلية دينية بين القضاء والأسطورة
تمثل سيرة زليخة هاشتويل، بالنسبة لمن يهتم بتقاطع الدين والتاريخ السياسي المغاربي، مدخلًا غنيًا لإعادة قراءة وضع الأقليات الدينية في المغرب قبل الحماية، وكيف أعاد الاستشراق الأوروبي صياغة القصص الفردية لبناء صورة كلية عن "الآخر" المسلم. كما توفر القصة نموذجًا لكيفية تحول قضية قضائية محددة إلى رمز ديني عابر للحدود، يتردد ذكره في نصوص أدبية وتاريخية وينتقل اليوم إلى الفضاء الرقمي حيث يعاد تناوله أحيانًا دون إحاطة كافية بالسياقات الفقهية والقانونية التي أحاطت بالحدث الأصلي. هذا البعد الأخير يطرح سؤالًا حول ضرورة بناء ملفات توثيقية موسعة باللغات المتعددة، تتيح للقارئ تقييم الفروق بين الروايات بدل الاكتفاء بنسخة واحدة تكرَّرت في مراجع متداخلة.