تصنيف التغطية الدينية بين الجدية والهامش

أضيف بتاريخ 07/28/2026
دار سُبْحة

يطرح التعامل التحريري مع الشأن الديني داخل غرف الأخبار إشكالاً مستمراً يتعلق بطبيعة تصنيفه ومكانه ضمن سلم الأولويات المهنية. فالدراسة العالمية للإيمان والإعلام تكشف وجود تباين واضح في النظرة إلى هذا النوع من التغطية، حيث يتم إدراجه ضمن الأخبار الجادة في حالات محددة، بينما يُدفع في أحيان أخرى إلى هوامش التغطية بوصفه مادة خفيفة لا ترقى إلى مركز الصدارة.



يتحدد موقع الدين ضمن الأخبار الجادة غالباً عندما يرتبط بوقائع تحمل طابعاً إشكالياً أو صدامياً. فالأحداث التي تتضمن خلافات داخل المؤسسات الدينية، أو انقسامات عقائدية، أو قضايا فساد، تحظى بمتابعة تحريرية مكثفة وتُعامل باعتبارها مادة إخبارية ذات أولوية. هذا النمط من التغطية يعكس ميلاً مهنياً إلى ربط الأهمية الإخبارية بعناصر التوتر أو الخلل، وهو ما يجعل الدين يظهر في سياقات تتقاطع مع السياسة أو الأمن أو القضاء، دون التطرق إلى أبعاده الفكرية أو الروحية.


هذا التوجه لا ينفصل عن طبيعة المعايير الصحفية التقليدية التي تمنح الأفضلية لما يُعتبر "خبراً عاجلاً" أو ذا تأثير مباشر على الرأي العام. كما أن الصحفيين ذوي الخبرة يميلون إلى الاستثمار في هذا النوع من القصص، نظراً لارتباطه بقيم الخبر المعروفة مثل الصراع والأهمية العامة. ونتيجة لذلك، تتكرس صورة الدين في التغطيات الجادة باعتباره مجالاً للمساءلة أو الجدل، أكثر من كونه مكوناً اجتماعياً وثقافياً يومياً.


في المقابل، يتم التعامل مع الجوانب الأخرى من الحياة الدينية ضمن إطار مختلف تماماً. فالممارسات الروحية الاعتيادية، والأنشطة المجتمعية المرتبطة بالدين، والمناسبات الاحتفالية، غالباً ما تُدرج ضمن أقسام الثقافة أو نمط الحياة أو السياحة. ويُعاد تقديمها في قالب بصري أو إنساني يركز على الألوان والطقوس والمشاهد الجماعية، وهو ما يجعلها أقرب إلى المواد التكميلية التي تستهدف جذب الانتباه دون أن تحمل ثقلاً تحريرياً مماثلاً.


كما أن المقابلات التي تتناول القيم الأخلاقية أو الجوانب الروحية الفردية تُصنف ضمن محتوى الرفاهية أو التنمية الذاتية، حيث يُنظر إليها كمواد موجهة لتحسين جودة الحياة، لا كموضوعات ذات بعد إخباري. هذا التصنيف يعكس فصلاً ضمنياً بين الدين كخبر، والدين كتجربة إنسانية، ويؤدي إلى تقليص حضوره في النقاشات العامة ذات الطابع التحليلي.


تتأثر هذه الاختيارات أيضاً باعتبارات مهنية تتعلق بإدارة المخاطر. فالمواد المصنفة ضمن الأخبار الخفيفة تتيح هامشاً أوسع من الأمان التحريري، إذ تقل احتمالات إثارة الجدل أو التعرض لانتقادات، مقارنة بالملفات المرتبطة بالنزاعات أو القضايا الحساسة. لذلك تميل بعض المؤسسات الإعلامية إلى تفضيل هذا النوع من التغطية عندما يتعلق الأمر بالدين، خاصة في البيئات التي تتسم بتعدد المرجعيات أو حساسية الموضوع.


غير أن هذا التقسيم الثنائي يترتب عليه أثر مباشر في تشكيل الصورة العامة للدين لدى الجمهور. فحصره في سياقات سلبية ضمن الأخبار الجادة، مقابل تقديمه في قوالب احتفالية أو سطحية ضمن الأخبار الخفيفة، يؤدي إلى غياب التمثيل المتوازن للممارسات الدينية اليومية. وتغيب بذلك مساحات واسعة من التجربة الدينية المعتدلة التي تشكل جزءاً من النسيج الاجتماعي في العديد من المجتمعات.


تُظهر المعطيات المرتبطة بتصورات الجمهور أن نسبة معتبرة من الأفراد ترى أن وسائل الإعلام لا تعكس حضور الدين بوصفه عنصراً أساسياً في الحياة العامة. هذا الإدراك يرتبط، في جانب منه، بطريقة الانتقاء التحريري التي تعيد إنتاج صورة مجتزأة، تركز على الاستثناءات أو المشاهد اللافتة، وتغفل الاستمرارية والاعتياد.


إعادة النظر في هذا التصنيف تبدو ضرورية في ضوء التحولات التي يعرفها المشهد الإعلامي، خاصة مع تنامي الاهتمام بالصحافة التفسيرية والسرديات المعمقة. فإدماج الدين ضمن التغطيات الجادة لا يقتضي ربطه حصراً بالأزمات، بل يمكن أن يشمل تحليل أدواره الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، بما يعكس تعقيداته وتنوع تجلياته. مثل هذا التوجه من شأنه أن يساهم في تقديم صورة أكثر اتساقاً، ويعزز فهم الجمهور لموقع الدين داخل المجال العام.