يحتل ريتشارد دوكينز موقعاً خاصاً في الثقافة البريطانية المعاصرة، لأنه جمع على مدى عقود بين صفة عالم الأحياء التطورية الذي اشتغل على أسئلة الانتخاب الطبيعي والسلوك، وصفة الكاتب القادر على نقل النقاش العلمي إلى جمهور واسع بلغة مبسطة وحادة في آن واحد.
وُلد دوكينز في نيروبي عام 1941 حين كانت كينيا تحت الإدارة البريطانية، ثم انتقل مع أسرته إلى إنجلترا في طفولته، قبل أن يلتحق بجامعة أكسفورد لدراسة علم الحيوان، ويُنجز أطروحته تحت إشراف نيكولاس تينبرغن، أحد الأسماء البارزة في علم السلوك الحيواني. بعد ذلك عمل في جامعة كاليفورنيا في بيركلي أواخر الستينيات، ثم عاد إلى أكسفورد حيث ارتبط اسمه بالتدريس والبحث، قبل أن يتولى عام 1995 كرسي تشارلز سيموني للفهم العام للعلوم، وهو المنصب الذي كرّس حضوره كشخصية عامة تتجاوز حدود الجامعة.
جاءت شهرته الواسعة مع كتاب «الجين الأناني»، الصادر عام 1976، والذي قدّم فيه قراءة للانتخاب الطبيعي تجعل الجين الوحدة الأساسية في التفسير التطوري، بدلاً من التركيز على الفرد أو النوع وحدهما. لم يكن الكتاب درساً أكاديمياً مغلقاً، بل نصاً موجهاً أيضاً إلى القارئ العام، وقد أسهم في تثبيت صورة دوكينز بوصفه واحداً من أهم من أعادوا شرح الداروينية بلغة تجمع بين الدقة والسلاسة. وفي الكتاب نفسه صاغ مفهوم «الميم»، أي الوحدة الثقافية التي تنتقل بالتقليد والعدوى الرمزية بين الأفراد، وهو مفهوم خرج لاحقاً من إطاره النظري إلى استخدامات واسعة في دراسة الثقافة الرقمية وانتشار الأفكار والصور في الفضاء الإلكتروني.
ولم يتوقف مشروعه عند هذا الكتاب؛ ففي «الظاهرة الممتدة» واصل الدفاع عن التصور الجيني للتطور، مقترحاً أن آثار الجينات لا تنحصر في جسد الكائن، بل تمتد إلى سلوكه والبيئة التي يعيد تشكيلها. ثم جاء «صانع الساعات الأعمى» عام 1986 ليخاطب مباشرة الحجة التقليدية التي ترى في تعقيد الكائنات دليلاً على مصمم فوق طبيعي، فاعتبر أن الانتخاب الطبيعي التراكمي كافٍ لتفسير هذا التعقيد من دون افتراض قصد سابق أو تصميم واع. وتتابعت بعد ذلك كتبه، مثل «نهر خارج عدن» و«تسلق جبل المستحيل» و«فك قوس قزح»، وكلها سعت إلى توسيع دائرة القراء المهتمين بالعلم، مع الإبقاء على مركزية التطور في تفسير الحياة.
غير أن صورة دوكينز في المجال العام لم تُبنَ على العلم وحده، بل على انتقاله التدريجي إلى موقع السجال الفكري المرتبط بالدين والإلحاد. فقد صار أكثر شهرة لدى قطاعات واسعة من الجمهور بفضل كتاب «وهم الإله» الصادر عام 2006، حيث عرض فيه موقفاً يعتبر أن الإيمان الديني لا يقوم على أسس برهانية، وأن فرضية الخالق فوق الطبيعي شديدة الضعف من منظور الاحتمال العلمي. هذا الكتاب رفعه إلى صدارة ما سُمّي في العالم الأنغلوفوني بـ«الإلحاد الجديد»، إلى جانب أسماء أخرى جعلت من نقد الدين جزءاً من معركة أوسع دفاعاً عن العقلانية والتعليم العلمي والاعتراض على الخلقوية والتصميم الذكي.
ومن هنا اتسع حضوره المؤسسي والإعلامي. فقد أطلق مؤسسة ريتشارد دوكينز للعقل والعلم في 2006 لدعم التفكير العلمي ومواجهة الخرافة والتفسيرات غير العلمية، قبل أن ترتبط لاحقاً بمركز الاستقصاء العلمي في الولايات المتحدة. كما ظهر في وثائقيات تلفزيونية ومحاضرات عامة كثيرة، مستفيداً من موقعه الأكاديمي ومن مهارته في تبسيط الأفكار الكبرى، سواء عند الحديث عن نشأة الحياة أو عن العلاقة المتوترة بين الإيمان والمعرفة التجريبية.
لكن هذا الحضور لم يخلُ من اعتراضات متكررة. فدوكينز، الذي انتُخب زميلاً في الجمعية الملكية عام 2001، عُدّ لدى مؤيديه مدافعاً صريحاً عن المنهج العلمي، في حين رأى فيه منتقدوه مثالاً على نزعة اختزالية تردّ الظواهر المعقدة إلى تفسيرات بيولوجية أو احتمالية صلبة، وتتجاهل الأبعاد التاريخية والثقافية للدين والمجتمع. وتناولت دراسات نقدية عربية وغربية صورته بوصفه امتداداً لتيار مادي قديم عاد إلى الظهور في لباس علمي جديد، لا سيما عندما حوّل الإلحاد من موقف فلسفي إلى خطاب تعبوي موجه إلى الجمهور العام. ومع ذلك، بقي أثره ثابتاً في حقلين متداخلين: أولهما إعادة تقديم التطور الدارويني لجمهور غير متخصص، وثانيهما تحويل النقاش حول الدين والعلم إلى مادة يومية في الإعلام والكتب والمنصات الثقافية.
بهذا المعنى، لا يُقرأ ريتشارد دوكينز بوصفه عالماً فقط، ولا بوصفه مجادلاً عاماً فقط، بل بوصفه حالة جمعت بين المختبر، والكتاب الأكثر مبيعاً، والمناظرة التلفزيونية، والمؤسسة الفكرية. وقد يكون سر استمراره في المشهد، بعد خروجه من منصبه في أكسفورد عام 2008، أنه نجح في أن يجعل من مفردات علم الأحياء التطورية جزءاً من اللغة الثقافية العامة، وأن ينقل الجدل حول الإيمان والعقل من أروقة الجامعات إلى المجال العمومي الواسع.