تباين عالمي في تناول الإعلام لقضايا الدين

أضيف بتاريخ 07/30/2026
دار سُبْحة

تكشف معطيات "الدراسة العالمية للإيمان والإعلام" عن اختلافات واضحة في سلوك الجمهور وتوجهات الصحفيين عند التعامل مع التغطية الدينية، تبعاً لمستوى التدين داخل المجتمعات. ويعتمد التصنيف المستخدم على مؤشر يقيس درجة الإيمان لدى السكان، ما يسمح برصد أنماط استهلاك إعلامي وسلوكي متباينة بين الدول التي توصف بالعلمانية وتلك التي يغلب عليها الطابع الديني.



في الدول ذات التدين المرتفع، يحتل الإعلام الديني موقعاً متقدماً ضمن اهتمامات الجمهور، إذ ترتفع نسب متابعة المنصات المتخصصة في هذا المجال إلى ما يقارب نصف السكان، مع تسجيل مستويات أعلى في بلدان مثل نيجيريا والهند. ويعكس هذا الحضور ارتباطاً يومياً أو دورياً بقضايا الإيمان، حيث لا يُنظر إلى الدين كموضوع هامشي بل كجزء من النقاش العام. في المقابل، تتراجع هذه النسب بشكل لافت في الدول العلمانية الأوروبية، حيث يظل استهلاك المحتوى الديني محدوداً مقارنة بباقي المواضيع الإخبارية.


هذا التفاوت يمتد إلى طبيعة الطلب على جودة التغطية. ففي البيئات الأكثر تديناً، تظهر رغبة قوية في الحصول على محتوى ديني متماسك ومهني، مع استعداد ملحوظ للتفاعل مع المؤسسات الإعلامية التي تقدم هذا النوع من التغطية. ويتجلى ذلك في نسب مرتفعة من الجمهور الذي يعبّر عن اهتمامه بالمحتوى المتخصص واستعداده لدعمه. أما في الدول العلمانية، فرغم انخفاض مستوى المتابعة، فإن شريحة معتبرة من الجمهور لا تزال ترى أهمية توفير محتوى ديني جيد، وإن كان التفاعل معه أقل كثافة.


من جهة أخرى، تختلف التأثيرات النفسية المرتبطة بتغطية الدين. ففي السياقات العلمانية، يسجل مستوى أعلى من التوتر تجاه طريقة تناول وسائل الإعلام للقضايا الدينية، حيث ينظر جزء مهم من الجمهور إلى هذا التناول باعتباره مصدراً للقلق. ويبدو أن حساسية الموضوع في هذه المجتمعات ترتبط بتعدد المرجعيات الثقافية وضعف الحضور اليومي للدين في المجال العام. في المقابل، تنخفض مستويات القلق في الدول الأكثر تديناً، حيث يتعامل الجمهور مع هذه المواضيع بدرجة أعلى من الألفة.


أما داخل غرف الأخبار، فتتباين التحديات التي يواجهها الصحفيون تبعاً للبيئة الثقافية. في الدول العلمانية، يُنظر إلى القضايا الدينية غالباً على أنها غير جاذبة من حيث التفاعل الرقمي، ما يؤدي إلى تقليص حضورها في الأجندة التحريرية. ويضاف إلى ذلك شعور متزايد بالحذر من الوقوع في أخطاء مهنية أو ثقافية عند تناول مواضيع حساسة. في المقابل، لا يرتبط التردد في الدول المتدينة بعوامل تتعلق بالجمهور بقدر ما يرتبط بمخاوف من تبعات اجتماعية أو سياسية محتملة، خاصة عند الاقتراب من قضايا ترتبط بالمعتقدات الراسخة.


في ما يتعلق بتمثيل المرأة والتنوع، تظهر فروق نسبية بين السياقين. إذ تبدي المجتمعات العلمانية دعماً أكبر لفكرة توسيع دائرة المتحدثين باسم الأديان لتشمل النساء بشكل أوسع، مع تأكيد مشترك بين مختلف البيئات على أهمية أن يعكس الخطاب الديني تجارب واقعية ومعاشة، بدلاً من الاقتصار على الطرح المؤسسي التقليدي.


ورغم انخفاض مستويات المتابعة في الدول العلمانية، فإن المعطيات تشير إلى اهتمام نسبي أعلى بتغطية القضايا الدينية المعقدة مقارنة بنظيراتها في الدول المتدينة. ويعكس هذا التوجه رغبة في فهم أعمق للأبعاد الفكرية والاجتماعية المرتبطة بالدين، حتى في البيئات التي لا يحتل فيها موقعاً مركزياً في الحياة اليومية.


تقدم هذه المؤشرات صورة متعددة الأبعاد لعلاقة الإعلام بالدين، حيث تتداخل العوامل الثقافية والاجتماعية مع الاعتبارات المهنية، لتشكّل في مجموعها أنماطاً مختلفة من التغطية والاستقبال، تختلف من سياق إلى آخر دون أن تلغي الحاجة المشتركة إلى معالجة دقيقة ومتوازنة لهذه القضايا.