تُعدّ قراءة المستشرق كريستوف لوكسنبرغ، الاسم المستعار الذي نشر سنة 2000 كتابا بالألمانية عن القراءة السريانية الآرامية للقرآن، لعبارة «الحور العين» من أكثر أطروحاته انتشارا وإثارة للنقاش في الدراسات المتصلة بلغة القرآن وتاريخ تلقيه. ويذهب في هذه القراءة إلى أن العبارة لا تشير إلى نساء في الجنة وفق المعنى الذي استقر في جانب واسع من التراث التفسيري، بل تتصل بالعنب الأبيض أو بعناقيده وما يقترن به من صفات الصفاء واللمعان. غير أن هذه النتيجة لا تقوم على قراءة لغوية متفق عليها بين المتخصصين في الدراسات القرآنية، بل على سلسلة من الافتراضات المتعلقة بأصل بعض الألفاظ وبإمكان إعادة ضبط رسمها وقراءتها.
تنطلق الفرضية من اعتبار أن لغة القرآن تحمل أثرا قويا من السريانية الآرامية، وأن بعض المواضع التي بدت غامضة في العربية يمكن فهمها، في رأي لوكسنبرغ، بالعودة إلى مقابلات سريانية. وفي هذا الإطار، يربط لفظ «حور» بتعبير سرياني يفيد بياض العنب، ويمنح «عين» دلالة متصلة بالبريق أو الصفاء، فيخلص إلى تصور لعبارة تحيل إلى عناقيد بيضاء براقة، أو إلى ثمار تشبه اللؤلؤ المصون. كما يقترح في بعض المواضع إعادة قراءة الفعل الوارد في سياق الآيات بما يخرجه من معنى الاقتران أو التزويج إلى معنى الترويح أو الإراحة.
غير أن عرض هذه الأطروحة باعتبارها تفسيرا حاسما لعبارة «الحور العين» يفتقر إلى الدقة المنهجية. فلوكسنبرغ لا يكتفي باقتراح أصل سرياني محتمل لبعض الألفاظ، بل يبني قراءته على تعديل محتمل في النقط أو الرسم، وعلى ترجيح دلالات بديلة، ثم يربط هذه الاختيارات بسياقات أدبية ودينية سريانية سابقة. ولذلك فإن النتيجة النهائية تظل مرتبطة بقبول مجموع هذه المقدمات، لا ببرهان لغوي مستقل ومتفق عليه، كما تخلص إليه قراءات نقدية متخصصة في هذا الموضوع. وتشير هذه القراءات إلى أن الإشكال الرئيس في منهجه يتمثل في التوسع في افتراض وجود قراءة أولى للنص تختلف عن القراءة العربية المتداولة، ثم اعتماد تلك القراءة المفترضة أساسا لإنتاج معنى جديد؛ فالنقد لا ينصب فقط على النتيجة المتعلقة بـ«الحور العين»، بل على آلية الانتقال من رسم قرآني إلى صيغة بديلة، وعلى معايير اختيار المقابل السرياني دون غيره. وقد نُسب إلى لوكسنبرغ تعرضه لانتقادات كثيرة بسبب إدخال تعديلات مقترحة في عدد من المفردات، انطلاقا من تصوره المسبق عن وجود نص ذي بنية لغوية مختلطة بين العربية والآرامية.
وينبغي التمييز بين أمرين غالبا ما يختلطان في التناول الإعلامي لهذه الفرضية. الأول هو أن العربية واللغات السامية المجاورة، ومنها السريانية والآرامية، تتشارك جذورا وألفاظا وبيئات ثقافية، وهو معطى لغوي وتاريخي لا يكفي وحده لإثبات أن اللفظ القرآني منقول أو أن معناه العربي غير معتبر. والثاني هو تحويل هذا التشابه إلى قراءة بديلة للنص تقتضي تعديل الألفاظ أو بنيتها النحوية أو رسمها، وهي خطوة تحتاج إلى أدلة نصية ومخطوطية ولسانية متماسكة لا تتوفر بالقدر نفسه في أطروحة لوكسنبرغ.
لذلك، فإن الأدق وصف تفسير لوكسنبرغ لـ«الحور العين» بأنه فرضية تأويلية مثيرة للجدل ضمن اتجاه يركز على الخلفيات السريانية للقرآن، لا باعتباره اكتشافا لغويا أنهى الخلاف حول معنى العبارة. وتبقى القراءة الموروثة التي تفهم «الحور العين» في إطار نعيم الجنة هي القراءة الغالبة في كتب التفسير العربية، فيما تمثل قراءة العنب الأبيض اقتراحا حديثا محدود القبول، يرتبط بصحة المنهج الذي بُني عليه أكثر من ارتباطه بمجرد وجود مقابلات لغوية سريانية محتملة، وهو ما تفصّله دراسات نقدية متخصصة تناولت أطروحة لوكسنبرغ بالتفصيل.
هذا التفسير جزء من منهج أوسع تتناوله مقالة أثر اللغة السريانية في تكوين النص القرآني عند المستشرقين، بينما يمكن الاطلاع على النقد التفصيلي لهذا التفسير تحديداً في مقال رد الباحثين المسلمين على القراءات السريانية للقرآن.