جوهر الخبر صحيح، غير أن بعض الصياغات المتداولة ضخّمت دلالته السياسية والقانونية. فالمتاح علنًا حتى الآن هو مبادرة ضغط ورسالة رسمية بعثها تحالف يقوده الاتحاد الوطني للمشرّعين المسيحيين (NACL)، وقد تداول دونالد ترامب تقريرًا عنها عبر منصته "تروث سوشيال". ولا توجد حتى هذه اللحظة أي علامة على اعتماد البيت الأبيض برنامج هجرة أو لجوء رسميًا وخاصًا باليهود الكنديين.
ما الذي حدث فعليًا؟
بعثت NACL، مع أكثر من خمسين مشرّعًا محليًا وشخصيات دينية ومدنية، رسالة إلى الرئيس ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو وقيادات في الكونغرس، تطلب فيها من وزارتي الخارجية والأمن الداخلي إنشاء مسارات "قانونية وآمنة ومناسبة التسريع" لليهود الكنديين المؤهلين وأفراد أسرهم المباشرين.
ولا تطلب الرسالة فتح الحدود أو منح وضع قانوني تلقائي، بل تدعو إلى استخدام أدوات قائمة أصلًا: التأشيرات، والتدابير الإنسانية، وربما آليات الحماية أو اللجوء المتاحة وفق القانون الأميركي، مع فحص الهوية والسجل الجنائي والفحوص الطبية والأمنية، وحفظ وحدة الأسرة.
أما نشر ترامب رابطًا أو تقريرًا عن المبادرة عبر "تروث سوشيال"، فيمكن وصفه بدقة بأنه تضخيم سياسي أو إشارة اهتمام، لا بأنه إعلان دعم رسمي مفصّل أو توجيه تنفيذي لإطلاق مسار جديد. ولا يظهر، وفق التقارير المتاحة، أي قرار رئاسي أو بيان من وزارة الخارجية أو وزارة الأمن الداخلي يؤسس برنامجًا خاصًا بهذا الشأن.
ما الذي تدعمه الأرقام؟
الجزء المتعلق بتعرّض اليهود الكنديين بصورة غير متناسبة لجرائم الكراهية الدينية مدعوم ببيانات هيئة الإحصاء الكندية الرسمية:
- إجمالي جرائم الكراهية التي أبلغت عنها الشرطة في كندا خلال 2024: 4,882 جريمة.
- جرائم الكراهية ذات الدافع الديني: 1,342 جريمة.
- حصة اليهود من الجرائم ذات الدافع الديني: نحو 70%، مقابل 17% للمسلمين.
- عدد الجرائم الموجّهة ضد اليهود تحديدًا، وفق التفصيل المتاح: 920 جريمة.
- نسبة اليهود من مجمل سكان كندا: نحو 1% أو أقل بقليل.
غير أن العدد الإجمالي للجرائم التي استهدفت اليهود تراجع قليلًا مقارنة بعام 2023، من 959 إلى 920 جريمة، بينما بقيت المستويات مرتفعة جدًا مقارنة بما قبل عام 2023؛ إذ زادت جرائم الكراهية ذات الدافع الديني بنسبة 154% بين عامي 2020 و2023، ثم استقرت تقريبًا في 2024. لذلك، فالأدق صحافيًا ألا يُقال إن كل المؤشرات الرسمية تثبت ارتفاعًا مستمرًا في 2024، بل إن الظاهرة بقيت عند مستوى شديد الارتفاع بعد القفزة الكبيرة في السنوات السابقة.
ادعاءات تحتاج تحفّظًا
"أكثر من 2,000 يهودي كندي يريدون الانتقال": هذا رقم وارد في رسالة التحالف وتقارير المبادرة، لكنه ليس مسحًا وطنيًا مستقلًا أو رقمًا صادرًا عن هيئة الإحصاء الكندية. الأفضل نسبته بوضوح إلى منظمي الحملة: "قال منظمو المبادرة إن أكثر من ألفي شخص أبدوا اهتمامًا".
موقف أوكلاهوما: كتب حاكم الولاية كيفن ستيت، في 22 يوليو، أنه سيرحّب "بفخر" بالعائلات اليهودية التي تأتي قانونيًا إلى الولايات المتحدة بحثًا عن الأمان والفرص. غير أن رسالته لا تنشئ أي فئة تأشيرة أو برنامج استقبال مستقل، ذلك أن الهجرة من اختصاص الحكومة الفدرالية الأميركية حصرًا.
تشبيه كندا بأوروبا الثلاثينيات: هذا توصيف سياسي وأخلاقي شديد اللهجة لا يمكن تقديمه بوصفه حقيقة تقريرية. صحيح أن معاداة السامية والتهديدات ضد مؤسسات يهودية تمثل مشكلة موثقة ومقلقة، لكن المقارنة التاريخية تقتضي تمييزًا واضحًا بين تصاعد الحوادث المعادية للسامية من جهة، ووجود دولة تتبنى رسميًا نظامًا اضطهاديًا أو سياسات نزع حقوق ممنهجة من جهة أخرى، وهو ما لا تثبته الوقائع المعروضة هنا.
تداول الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر منصته "تروث سوشيال" تقريرًا بشأن مبادرة يقودها مشرّعون مسيحيون أميركيون لتسهيل انتقال يهود كنديين يقولون إنهم يخشون تصاعد معاداة السامية إلى الولايات المتحدة. وطلبت "الجمعية الوطنية للمشرعين المسيحيين" من إدارته دراسة مسارات قانونية وإنسانية سريعة، لكنها خاضعة للتدقيق الأمني ولقوانين الهجرة القائمة، لفائدة مواطنين كنديين يهود وأسرهم المباشرة ممن يثبتون تعرضهم لاضطهاد أو خوفًا ذا مصداقية على سلامتهم. ولا يشكل تداول ترامب للمقترح إعلانًا عن برنامج حكومي جديد؛ إذ لم تعلن الإدارة الأميركية بعد إنشاء تأشيرة خاصة أو آلية لجوء مخصصة لليهود الكنديين. وتُظهر بيانات هيئة الإحصاء الكندية أن اليهود كانوا هدفًا لنحو 70% من جرائم الكراهية الدينية التي أبلغت عنها الشرطة في كندا عام 2024، رغم أنهم يشكلون قرابة 1% من السكان، ما يضع القضية في سياق أمني واجتماعي بالغ الحساسية.