يعرض كتاب «مخطوطات القرآن: مدخل لدراسة المخطوطات القديمة» لمحمد المسيح مقاربة نقدية لتاريخ تدوين النص القرآني، تقوم على التمييز بين ما تنقله المدونة الإسلامية الكلاسيكية وما تسمح به دراسة الشواهد المادية المبكرة من رقوق ومصاحف وطرس. والكتاب، الصادر عن دار واتر لايف في 325 صفحة، يتناول قضايا القراءات والرسم والتنقيط والتشكيل بوصفها عناصر مركزية في تاريخ تشكل النص المكتوب.
تقوم الرواية الإسلامية التقليدية، كما يلخصها العرض، على مرحلتين لجمع القرآن: جمع أول في عهد أبي بكر الصديق، ثم توحيد للمصاحف في عهد عثمان بن عفان، قبل أن تتطور أدوات الكتابة وضبط القراءة في عصور لاحقة. أما المنهج الذي يستند إليه الكتاب فيجعل المخطوطات المبكرة، بما تتضمنه من خصائص مادية وخطية ونصية، مدخلا مستقلا لاختبار تاريخ النص. وفي هذا الإطار، يصبح فحص نوع الرق، وشكل الحروف، وترتيب الأسطر، وآثار المحو وإعادة الكتابة، ونتائج التأريخ بالكربون المشع، أكثر مركزية من إعادة بناء الوقائع انطلاقا من الروايات المدونة المتأخرة.
ويمتد الاختلاف إلى التصور الخاص باللغة العربية. فالتقليد الإسلامي يقرأ القرآن ضمن أفق الفصاحة العربية المعيارية، ويعالج الصيغ التي قد تبدو مخالفة للقياس النحوي من خلال تعدد الأوجه الإعرابية أو البلاغية. في المقابل، يربط العرض النقدي تلك الظواهر بمرحلة سابقة على اكتمال تقنين النحو العربي. ووفق هذا المنظور، لا يكون من الملائم إسقاط قواعد مدرسية تبلورت لاحقا على نص نشأ في بيئة كتابية ولغوية كانت حدودها ومعاييرها ما تزال في طور التشكّل.
وفي ما يخص أصل الخط، يلفت الطرح المعروض إلى أن دراسة تطور الكتابة العربية لا تجعل الحجاز وحده إطارا تفسيريا كافيا. إذ تربط بحوث في علم الخطوط القديمة نشوء الخط العربي بسلسلة تطورية متصلة بالكتابة النبطية، التي انتشرت في مناطق شمال الجزيرة العربية وبلاد الشام. غير أن هذا الاستنتاج، ولا سيما حين يتحول إلى فرضية جغرافية شاملة عن منشأ لغة القرآن أو بيئته الأولى، يظل محل نقاش بحثي ولا يمثل إجماعا بين المختصين. وتظهر نتائج البحث المتاحة أن فرضيات روبرت كير، مثلا، تربط بعض السمات الخطية واللغوية بسياق سوري-فلسطيني، بينما تستمر دراسات أخرى في توصيف عدد من المصاحف المبكرة ضمن الخط الحجازي.
ويحتل رسم المصحف موقعا أساسيا في هذا النقاش. فالكتابة العربية المبكرة كانت محدودة الأدوات مقارنة بالخط العربي اللاحق، إذ لم تكن نقاط الإعجام والحركات وعلامات الهمز قد استقرت في صورتها المعروفة. ولذلك كان الرسم الواحد يسمح، نظريا، بأكثر من احتمال في القراءة بحسب السياق اللغوي والمعرفة الشفوية والتقليد القرائي. وتفسر الرواية التقليدية خلو المصاحف الأولى من الضبط بوصفه مجالا لاستيعاب وجوه القراءة، بينما ترى المقاربة المخطوطاتية أن محدودية الرسم كانت عاملا ماديا مؤثرا في تعدد إمكانات القراءة وفي الحاجة اللاحقة إلى الضبط والتنقيط.
ومن ثم، يعيد الكتاب قراءة نشأة القراءات بوصفها مسألة تجمع بين النقل الشفهي، والاجتهاد في قراءة رسم غير منقوط، وتاريخ تطور المعايير اللغوية والكتابية. وهذه قراءة تختلف عن التصور التقليدي الذي ينسب القراءات المعتمدة إلى سلسلة نقل توقيفية متصلة. ولا يعني وجود الاختلافات في الرسم أو الضبط، في المنهج النقدي، بالضرورة تقرير نتيجة واحدة حول تاريخ النص، بل يفرض تحليل كل شاهد بحسب تاريخ مادته، ونوع خطه، وعلاقته ببقية الشواهد.
ويبرز طرس صنعاء، المعروف برقم DAM 01-27.1، بوصفه أبرز الأمثلة التي تستند إليها هذه المقاربة. فهذا المخطوط رق أعيد استعماله: كُشط نص سفلي ثم كُتب فوقه نص علوي، وكلا الطبقتين قرآنيتان. وتكمن أهميته في أن الطبقة السفلى تحتوي على اختلافات عن النص المعياري اللاحق، بينما ترتبط الطبقة العليا بالنص القرآني المتداول في ترتيبه وصيغته العامة. وقد عُثر على هذا الطرس ضمن مجموعة مخطوطات اكتشفها عمال الترميم في الجامع الكبير بصنعاء سنة 1972، فيما بدأ ترميم المخطوطات نفسها سنة 1980 بإشراف الهيئة اليمنية للآثار، ثم اكتسب أهمية خاصة في الدراسات النصية للمصحف.
وبهذا المعنى، لا يكتفي الكتاب بعرض الرواية الإسلامية أو نفيها، بل ينقل مركز الثقل إلى سؤال مختلف: كيف انتقل النص من فضاء التلاوة والكتابة الأولى إلى مصحف معياري مضبوط؟ والإجابة التي يقترحها تنطلق من تاريخ المخطوطات بوصفه تاريخا ماديا مركبا، يتداخل فيه تطور الخط، وتعدد القراءات، وآليات النسخ، وتثبيت معايير النص في المؤسسات الدينية والسياسية.