رأي. المرأة المسلمة بين حرية الاختيار ووصاية خطاب الإنقاذ

أضيف بتاريخ 19/09/2026
دار سُبْحة

تنتقد الكاتبة التونسية البريطانية سومية الغنوشي ما تصفه بخطاب «إنقاذ» المرأة المسلمة، معتبرة أنه يقوم على افتراضات تختزل تجارب نساء متنوعات في صورة واحدة لامرأة خاضعة تحتاج إلى تدخل خارجي كي تتحرر. وترى أن الحجاب يحتل موقعاً مركزياً في هذا التصور، إذ يُعامل في كثير من النقاشات السياسية والثقافية بوصفه دليلاً ظاهراً على القهر، لا باعتباره خياراً دينياً أو شخصياً يمكن أن تتباين دوافعه ودلالاته.



وتعرض الكاتبة مفارقة في بعض التصورات الليبرالية الغربية للحرية الفردية، حيث يُنظر إلى خيارات لباس أو مظهر بعينها باعتبارها تعبيراً عن السيادة على الجسد، بينما يُفترض أن المرأة تفقد إرادتها فور اختيارها غطاء الرأس. ووفق المقال، تتحول الحرية في هذه الحالة إلى مفهوم مشروط بتطابق اختيارات المرأة مع المعايير السائدة لما يُعد مظهراً مقبولاً للتحرر.


وتستحضر الغنوشي الحالة الفرنسية، حيث تُقدَّم القيود المفروضة على بعض ألبسة النساء المسلمات مراراً باعتبارها إجراءات تحريرية. وترى أن مفهوم العلمانية، الذي يتعلق في الأصل بتنظيم العلاقة بين الدولة والدين، اتجه في صيغته المعاصرة الأكثر تشدداً إلى مراقبة الحضور المرئي للدين في الفضاء العام، مع تحمّل المسلمات جزءاً مهماً من آثار ذلك. وبذلك، يصبح منع امرأة من ارتداء ما تراه مناسباً لها مساراً يُسوَّق أحياناً باسم حمايتها أو تحريرها.


وترفض الكاتبة التعامل مع «المرأة المسلمة» بوصفها كياناً متجانساً، مشددة على وجود مئات الملايين من النساء المسلمات في سياقات اجتماعية واقتصادية وسياسية وتاريخية متباعدة. فلا تتشابه تجارب النساء في كابول وجاكرتا أو طهران وإسطنبول، كما لا تستوي حياة امرأة ريفية في المغرب مع مسار محامية في لندن. غير أن الخطاب الشائع، بحسب المقال، يضغط هذه الاختلافات في معادلة تبسيطية تربط بين الإسلام والحجاب والقهر.


وتشير إلى أن التاريخ يقدم أمثلة على اتجاهين متعاكسين من تدخل الدولة في لباس النساء. ففي إيران، يُنتقد الحجاب الإلزامي في الجمهورية الإسلامية بوصفه ممارسة قسرية، لكن الكاتبة تذكّر أيضاً بسياسة نزع الحجاب التي فُرضت في عهد رضا شاه عام 1936، حين حُظر الحجاب التقليدي وتعرضت نساء رغبن في الاحتفاظ به لضغوط الدولة. وفي تركيا، أدى تشديد حظر الحجاب بعد عام 1997 إلى حرمان آلاف النساء من التعليم الجامعي والعمل في القطاع العام. أما في تونس، فقد استُخدمت إجراءات رسمية في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي للحد من ارتداء الحجاب واستبعاد مرتدياته من مؤسسات التعليم والإدارة.


وفي تلك الحالات، ترى الغنوشي أن الحجاب قد يتحول لدى بعض النساء من رمز يفسره الآخرون بوصفه خضوعاً إلى تعبير عن الرفض لمصادرة الدولة حقهن في الدراسة والعمل والمشاركة العامة. لكنها لا تقدم الحجاب باعتباره محرراً في ذاته، ولا تنفي أن بعض النساء قد يرتدينه تحت ضغط عائلي أو اجتماعي. وتؤكد أن دلالته ترتبط بالمرأة نفسها وبالظروف وهياكل السلطة المحيطة بها، إذ يمكن للقطعة ذاتها أن تُفرض على امرأة وتُمنع عن أخرى، أو تختارها ثالثة عن قناعة دينية أو شخصية أو بدافع الخصوصية.


وتتناول الكاتبة حضور المسلمات في المجتمعات الغربية، لافتة إلى وجود محجبات في الجامعات والمهن والفضاءات السياسية والعامة، يعملن طبيبات وباحثات ومدرسات ومهندسات ومحاميات وصحافيات ورائدات أعمال. وترى أن افتراض خضوع امرأة بالغة ومتعلمة لإرادة رجل لمجرد أن خيارها الديني لا ينسجم مع تصور علماني للحياة يمثل وصاية تتخفى في لغة نسوية.


كما تربط المقالة بين خطاب إنقاذ المسلمات وإرث استعماري استخدم لغة الحضارة لتبرير الهيمنة، حين صُوّرت المجتمعات الواقعة تحت الاستعمار باعتبارها متأخرة، ورجالها عنيفين، ونساؤها مضطهدات. وتخلص الغنوشي إلى أن الاعتراف بحرية المسلمات لا ينبغي أن يقاس بمدى امتثالهن لصورة خارجية للتحرر، بل بالاعتراف بهن أفراداً متنوعين وقادرين على الاختيار والتفكير والتعبير عن تجاربهن بأنفسهن.