سورة الملك نموذجا لتدريب القارئ على البلاغة السامية
يقدّم الباحث ميشال كويبرز، من المعهد الدومينيكي للدراسات الشرقية في القاهرة، دليلا تعليميا جديدا للتحليل البلاغي للقرآن، اختار له سورة الملك مثالا تطبيقيا لما يراه فيها من تعقيد في التركيب وصعوبة في تحديد وحداتها الكبرى. ويحمل العمل عنوان «منهج تعليمي متقدم جديد للتحليل البلاغي للقرآن: سورة الملك الغامضة»، وقد أُنجز في القاهرة في أبريل 2026.
ويأتي الدليل امتدادا لعمل سابق طبّق فيه المؤلف المنهج على سورة الحاقة، وهو مثال يعدّه أيسر بنية وأنسب للمبتدئين. أما سورة الملك فيقدّمها نصا حيّر عددا من المترجمين والمفسرين المعاصرين، الأمر الذي يتيح إبراز طبيعة هذا التحليل القائمة على التجريب التدريجي والفرضيات المؤقتة والتنقل المتكرر بين مستويات النص، وصولا إلى تصور شامل متماسك.
وينطلق المنهج مما يسميه كويبرز «البلاغة السامية»، وهي مقاربة تُعنى بتنظيم الخطاب وبنيته الداخلية، ولا تقف عند المحسنات والصور البيانية. ويصل الباحث هذا الحقل بدراسات النصوص الكتابية العبرية التي أسهم فيها روبرت لوث وجون جب وتوماس بويز، ثم طوّر اليسوعي رولان مينيه مسارها في بلاغة النصوص الكتابية. كما يستحضر أعمال ماري دوغلاس حول البنية الحلقية، القائمة على التماثل بين البداية والنهاية وعلى إبراز مركز النص بوصفه موضعا دالا في بنائه.
ويركّز الدليل على خصيصتين يراهما أساسيتين في الخطاب القرآني: الثنائية والتجاور. فالثنائية صياغة المعاني في أزواج أو وحدات متقابلة، أما التجاور فتعاقب الجمل دون روابط منطقية صريحة تتجاوز في الغالب حرف العطف. ومن هنا يميّز كويبرز بين ثلاثة أنماط من البناء: التوازي، والبناء المرآتي أو المتقابل، والبناء المركزي أو الحلقي الذي يحيط فيه جانبان متناظران بعنصر يقع في الوسط.
ويولي الباحث البناء الحلقي عناية خاصة، مع التنبيه إلى أنه ليس الشكل الوحيد في القرآن. ففي عرضه، قد يحمل مركز هذا النوع من البنى سؤالا أو مثلا أو قولا يوجّه القراءة نحو الرسالة الأساسية للوحدة النصية. ويستند في ذلك إلى قوانين وضعها الباحث نيلس فيلهلم لوند، منها قِصَر المركز وكونه نقطة تحوّل في مسار الفكرة، واحتمال ظهور فكرة مضادة فيه قبل أن يستأنف السياق.
ويرتّب الدليل مستويات التحليل من الكلمة والعضو والقطعة إلى الجزء والمقطع والمتوالية والقسم، وصولا إلى السورة بأكملها. ويرى أن الدراسة ينبغي أن تبدأ من النص العربي، لأن الترجمة قد تُضيّع فروقا دلالية ونحوية، ولأن اللفظة العربية قد تحتاج إلى عدة كلمات في اللغات الأخرى. ومع ذلك، يرفق المؤلف بالنص ترجمة إنكليزية تعليمية موازية، عُدّلت لتقترب من البنية العربية.
وفي التطبيق على سورة الملك، يقترح كويبرز قسمة أولى إلى متواليتين: الآيات من 1 إلى 22، ثم الآيات من 23 إلى 30. ويعلّل ذلك باختلاف القوافي والأسلوب، ولا سيما تكرار فعل الأمر «قل» في القسم الأخير. ويبدأ بالآيتين الأوليين بوصفهما افتتاحا تسبيحيا يبرز الملك والقدرة الإلهية وخلق الموت والحياة، ثم يربطهما بموضوع السورة العام المتصل باختبار السلوك الإنساني ومصير المكذّبين والمتقين.
ثم يعالج الدليل آيات خلق السماوات والنجوم، وينتقل إلى مشاهد جهنم وحوار خزنتها مع المكذبين. ويعرض هذه المقاطع وحدات متدرجة تتجاور فيها أوصاف العذاب مع سؤال مركزي عن وصول النذير إلى المعذَّبين، قبل أن تقابلها الآية الخاصة بالذين يخشون ربهم بالغيب وما يترتب عليها من مغفرة وأجر كبير. ويؤكد كويبرز أن غاية هذا البناء التعليمي ليست فرض مخطط جاهز على السورة، بل تدريب القارئ على تتبّع العلامات النصية التي تقوده إلى اكتشاف تنظيمها الداخلي.