في الحلقة الثالثة والأخيرة من سلسلة أنتجها استوديو «لي بون أوند» (Les Bonnes Ondes) بشراكة مع دار النشر «أون توت ليتر» (En Toutes Lettres) ودعم من المعهد الفرنسي بالمغرب، تعود الباحثة صوفي بافا (Sophie Bava) إلى ظاهرة لافتة: بلد يُعرف بأنه أرض إسلام يشهد تنامي «كنائس البيوت»، وهو تنامٍ ترتبط جذوره، بحسب الحلقة، بموجات الهجرة القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء.
صدرت الحلقة سنة 2025 ومدتها نحو خمس عشرة دقيقة، وهي امتداد للكتاب الجماعي «الهجرة في المغرب: طريق مسدود؟» (Migrations au Maroc : l'impasse ?) الصادر عن الدار نفسها سنة 2019 ضمن سلسلة «تحقيقات». وتقوم على فصل «تجديد الكنائس في المغرب»، وهو حوار أجراه هشام حدَيفة، مدير السلسلة، مع الباحثة السوسيو-أنثروبولوجية العاملة بمعهد البحث من أجل التنمية الفرنسي.
من هجرة المريدين السنغاليين إلى طرق المغرب
تعرض الحلقة المسار البحثي لبافا: بدأت بأطروحة عن الهجرة السنغالية المسلمة نحو فرنسا، ثم لاحظت، وهي تتابع الهجرات الإفريقية، أن فئات من المهاجرين لم تعد قادرة على عبور المتوسط بعد تشديد سياسة شنغن. فاتسع حقل دراستها ليشمل مسارات تمر بالنيجر ومصر والجزائر والمغرب، بحثًا عمّا يجري فيها على المستوى الديني.
«لاهوت الهجرة»: الإيمان على الطريق
ترى بافا أن الهجرة ليست نمطًا واحدًا، وأن أشكالها، من الاستقرار إلى العبور إلى الانسداد، تُنتج لحظات دينية ولاهوتات وطقوسًا مختلفة. وتلفت إلى أن سِيَر أنبياء التقاليد الإبراهيمية ارتبطت بالتنقل، وأن الفاعلين الدينيين الذين التقتهم كانوا يستحضرون، بحسب المرحلة التي يصادفون فيها المهاجرين على الطريق، هذا المقطع أو ذاك من النصوص. ومن هذا الربط تقول إن ثمة «لاهوتًا للهجرة»، وإن المهاجرين ليسوا في المكان الذي وصلوا إليه مصادفة.
شهادة كريستيان نتاب
من بين لقاءات الباحثة، تتوقف الحلقة عند كريستيان نتاب (Christian Ntap)، مؤسس كنيسة «حجر الزاوية» (Pierre Angulaire) في مدينة سلا. ويروي، بحسب شهادته، أنه غادر بلده رجلًا عاديًا لا راعيًا دينيًا، وأنه تلقى في موريتانيا حلمًا ورد فيه أن يتوجه إلى المغرب، فوصله مع زوجته، وبدأ مهمته مطلع سنة 2015، وصار بيته كنيسة ومسكنًا في الوقت نفسه. وهي مبادرة تدخل، بحسب الحلقة، في ظاهرة أوسع هي «كنائس البيوت»: فضاءات جماعية يعيد فيها الإيمان تنظيم نفسه وتعبيره.
كنائس تاريخية وكنائس بيوت
تصف بافا مسيحية جاءت «من الأسفل» ومن الجنوب، وهي مسيحية خمسينية كاريزمية قادمة من إفريقيا الوسطى، أعادت الحيوية إلى الحضور المسيحي لكنها غيّرته أيضًا. وبحسب روايتها، بدأ مسؤولو الكنيسة الإنجيلية والأسقف المحلي يفكرون حينها في تنظيم هذا الحضور. وتميّز الباحثة بين الكنائس التاريخية المنظَّمة، التي تعمل بتراخيص واتفاقيات مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وكنائس غير رسمية تقام في بيوت وشقق بالأحياء الطرفية التي يسكنها المهاجرون. وترى أن أدق تسمية لها هي «كنائس البيوت»، وأنها تظل مؤقتة لأن القساوسة يتبعون إيقاع الهجرة نفسه، فيأتون ويرحلون.
ويتحدث في الحلقة مؤمن وصل إلى المغرب سنة 2004 ويشتغل اليوم مُكوِّنًا في جمعيات لمساعدة المهاجرين، ويتابع دراسة اللاهوت. يذكر أن الناس كانوا آنذاك متفرقين، كلٌّ في بيته، يخشون الشرطة ويعيشون إيمانهم في الخفاء، وأن الحاجة إلى جماعة ظهرت سريعًا. ويصف الاختلاط بين جنسيات متعددة داخل الكنيسة المغربية بأنه تجربة مغايرة لما عرفه في بلده.
إطار قانوني متحوّل
تتوقف الحلقة عند القانون 02-03 الصادر في 11 نوفمبر 2003، وهو النص الرئيسي المنظِّم لدخول الأجانب وإقامتهم بالمغرب، وقد تغيّر تطبيقه جذريًا مع السياسة الجديدة للهجرة المعتمدة سنة 2013، وما تلاها من حملتي تسوية في 2014 و2017 مكّنتا، وفق الحلقة، نحو 50 ألف مهاجر من الخروج من الظل. ويشير وصف الحلقة إلى أن دستور 2011 يضمن حرية ممارسة الشعائر، لكن الممارسة تظل مؤطَّرة.
بين الحوار المؤسسي والهشاشة الاجتماعية
تذكر الحلقة معهد «الموافقة» للاهوت، الذي تأسس سنة 2012 لجمع المؤمنين في بنية مشتركة، وتقول إنه فتح مجالًا للحوار بين الهيئات الدينية والدولة، وقدّم تكوينات للمسيحيين، كاثوليكًا وبروتستانتًا، في المسيحية والإسلام واليهودية، إلى جانب تكوين خاص بقساوسة كنائس البيوت.
وتستشرف بافا المستقبل بأن ظهور المسيحية المهاجرة صار أكثر قبولًا، وأنها لم تعد تعيش في العتمة، رغم مقاومات مدنية وسياسية تضخمها أحيانًا الشبكات الاجتماعية. لكن هذا الظهور، كما تقول، لا يعني تحسنًا في ظروف العيش، فالتسوية القانونية لا تكفي، والهشاشة وانعدام الأمان مستمران. وفي هذا السياق يقول أحد المتحدثين إن الإيمان لن يعوّض خدمة اجتماعية ولا طبيبًا ولا مدرسة، وإنه يتمنى أن يبقى للناس أكثر من الإيمان: سقف وأجر وعلاج وتعليم لأبنائهم.
وتختم الحلقة بإشارة إلى سجال سياسي جرى أثناء إعدادها، إذ وجّه النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية عبد الصمد حيكر سؤالين كتابيين في مطلع أبريل 2025 إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، حول ما وصفه بانتشار «كنائس غير رسمية» بالدار البيضاء، مستفسرًا عن هوية القائمين عليها وعن وجود تراخيص رسمية. وبحسب الحلقة، أجاب وزير الداخلية بأن قرارات اتُّخذت، منها التذكير بأنه لا يجوز تحويل فضاء إلى مكان للصلاة دون ترخيص مسبق. وتحدثت تقارير صحفية عن إجراءات لضمان احترام الإطار القانوني، مع التذكير بالتوازن بين حرية العبادة والنظام العام.
وتترك الحلقة السؤال مفتوحًا: كيف يمكن أن يتعايش ضمان حرية الشعائر مع تأطير قانوني صارم، ما دام الحضور الديني الجديد صار مرئيًا في الفضاء العام؟ وهي أسئلة تسير في اتجاهها أبحاث بافا ومؤلفات «أون توت ليتر».
اقرأ أيضًا في سُبْحة
- بيت دنيس ماسون في مراكش: فضاء متحفي دائم لذاكرة مترجمة القرآن
- دراسة فرنسية تبحث صلة التصوف بالسياسة في ظاهرة الجهادية
من شبكتنا: تعرّف على مواقع شبكة المقالاتي العربية