رشيد قريشي ورحلة الحرف الصوفي
ينطلق الفنان الجزائري رشيد قريشي من علاقة مبكرة بالكتابة العربية، تشكلت في بيئة عائلية ذات تقاليد صوفية في منطقة الأوراس، حيث وُلد عام 1947. وتعرض الدراسة التي أعدتها مارين لوستيا مسارًا فنيًا يجعل من الحرف والعلامة مدخلًا إلى أسئلة الذاكرة والروح والجمال، من دون أن يحصر العمل في حدود اللوحة أو الخط بالمعنى التقليدي. فالأثر البصري لديه يتسع للمعادن والمنسوجات والخزف والضوء والظل، مستعيدًا ما تحمله الكتابة في الثقافة العربية الإسلامية من صلة بالمعنى المقدس وبفكرة الخلق.
من زاوية الأوراس إلى أبجدية شخصية
ترتبط طفولة قريشي، بحسب الدراسة، بمشاهدة المخطوطات المزخرفة والكتب القديمة في البيت، وبالتعلم في الزاوية حيث كان الأطفال يحفظون الآيات المكتوبة على ألواح خشبية ثم يمحونها لإعادة الكتابة عليها. وقد أسهم هذا الاحتكاك المبكر في توثيق صلته بالخط والعلامات، قبل أن تتطور تجربته نحو أبجدية شخصية لا تكتفي بإعادة إنتاج الحروف المألوفة. فالحروف عنده تتحول إلى رموز وكائنات وإشارات متداخلة، وتستدعي في كثافتها البصرية فكرة تعدد العالم وصعوبة الإحاطة الكاملة به.
التراث الصوفي والحوار مع الأدباء
وتبرز الدراسة تأثير التراث الصوفي والنصوص الأدبية في أعماله، إلى جانب علاقاته الفكرية والفنية بشعراء وكتّاب من بينهم محمود درويش ومحمد ديب وجمال الدين بن الشيخ ورينيه شار وميشال بوتور. ومن هذا التفاعل، تتكون أعمال تستقبل الكتابة بوصفها مجالًا مشتركًا بين الثقافات، لا باعتبارها علامة منغلقة على مرجعية واحدة. كما يستلهم الفنان إشارات الكتابات القديمة والرسوم الصخرية في الطاسيلي، ويبتكر علامات جديدة في بحث بصري عن المعاني التي قد تتجاوز قدرة اللغة المباشرة على التعبير.
الخزف والمنسوجات والصلب
ولا يقتصر هذا المسار على الورق أو القماش. فقد اعتمد قريشي على أوعية الخزف، والأقمشة المطرزة، والسجاد، والكتان والحرير، والصلب، مستفيدًا من خبرات الحرفيين. وتورد الدراسة أمثلة على تعاونه مع خزافين من جربة، ومع المطرزة فاضلة برادة من الدار البيضاء، فضلًا عن حرفيين وورش اشتغلوا في مراكش وتونس. وتمنح هذه المواد أعماله امتدادًا حسيًا، إذ تصبح العلامة جزءًا من أشياء ومجالات معيشة، وتنتقل من سطح الكتابة إلى فضاء التركيب الفني.
الرومي و«طريق الورود»
ويحتل جلال الدين الرومي مكانة محورية في هذا التصور. فقد خصص قريشي أعمالًا ومعارض لمفكرين صوفيين آخرين مثل ابن عربي وفريد الدين العطار، قبل أن ينجز سلسلة مرتبطة بالرومي، مؤسس الطريقة المولوية. ففي معرض «طريق الورود» الذي أقيم في أنقرة في ديسمبر 1999، قدم الفنان ثمانية وعشرين حوضًا للوضوء مزينة بنصوص ورموز مستوحاة من الرومي. وفي المغرب، عرض في «طريق الورود 2» شرائط من الكتان المطرز، إلى جانب ثمانية وعشرين تمثالًا فولاذيًا و98 علامة رمزية.
المرآة والظل
تتصل هذه الأعمال بفكرة المرآة في فلسفة الرومي الجمالية، حيث يُنظر إلى الفن بوصفه وسيطًا يكشف جمال الخلق ويقرب الإنسان من إدراكه. لذلك يستعمل قريشي الانعكاس والتماثل والظلال المتحركة، فتتضاعف منحوتاته الفولاذية على الأرض والجدران مع تغير الضوء. وتمنح هذه الظلال العمل بعدًا زمنيًا، إذ تظهر ثم تختفي، فيما تظل الأشكال المادية قائمة في الفضاء.
الموسيقى والشعر والرقص
كما تحضر الموسيقى والشعر والرقص في قراءته لفكر الرومي. فالرقص المولوي، بحركته الدائرية، يجد مقابلًا له في الدوائر والخطوط المتكررة في الرسوم والمنحوتات. ويستعمل الفنان الأزرق النيلي والذهب، في إحالة إلى تقاليد الخط القرآني وإلى المصحف الأزرق في القيروان، بينما تتجاور العناصر البصرية مع الماء والورد والصوت لتكوين فضاء يستدعي الحس والذاكرة والتأمل. وتقدم الدراسة تجربة قريشي باعتبارها سعيًا فنيًا إلى إعادة وصل الحرف بالضوء، والصنعة بالمعرفة الصوفية، والجمال بأسئلة الإنسان عن الوجود.
اقرأ أيضًا في سُبْحة
- دراسة فرنسية تبحث صلة التصوف بالسياسة في ظاهرة الجهادية
- مفارقة الكعبة عند ابن عربي بين المكان واللامكان
من شبكتنا: تعرّف على مواقع شبكة المقالاتي العربية.