تبدأ اليقظة الذهنية بملاحظة الإنسان أفكاره ودوافعه وسلوكه وردود فعله عن قصد، لكنها لا تقتصر، وفق مقال نشرته مجلة سايكولوجي توداي في الأول من سبتمبر 2026، على مراقبة الذات. فالطبيب النفسي فرانك جون نينيفاجي، الأستاذ السريري المساعد في الطب النفسي للأطفال بكلية الطب في جامعة ييل، يعرض مقاربة تجعل التعاطف وفهم وجهة نظر الآخرين جزءا من هذه الممارسة، ويربط بين تنمية الانتباه وتحسين التواصل والتعامل مع ضغوط الحياة اليومية.
من مراقبة الذات إلى فهم الآخر
ويسمّي الكاتب منهجه «اليقظة الذهنية المكتسبة»، ويقدّمه طريقةً لتنمية ما يسميه «العقلية اليقظة»، أي مراقبة الذات مقرونة بالتعاطف وتبنّي منظور الآخر. وهي، في عرضه، قدرة تتطور بالتدريب والانفتاح على ملاحظات الآخرين، لا لحظة إدراك عابرة أو تمرينا ينفصل عن الحياة، بل ممارسة تتجدد مع اختلاف المواقف. ويضع في أساسها الانتباه المتعمد إلى ما يدفع الإنسان إلى التصرف، مع الحفاظ على صلة فعلية بمن يتفاعل معهم، بدلا من الانشغال الكامل بما يجري داخله.
ويشير نينيفاجي إلى أن هذه الممارسة ليست جديدة، بل تستند إلى تقاليد تمتد قرونا، مستشهدا بكتاب «معجزة اليقظة» للراهب البوذي الفيتنامي ثيش نهات هانه، الذي صدرت ترجمته الإنجليزية عام 1975. ويعرض استخدامها في عمله العلاجي بوصفها وسيلة للمساعدة على تخفيف القلق وتحسين التواصل. فالحوار القائم على اليقظة، بحسب تصوره، يتطلب القدرة على النظر إلى الموقف من موقع الطرف الآخر، إلى جانب إدراك الانفعالات الشخصية وتنظيم الاستجابة لها.
درس من جلسة علاجية
ولتوضيح ذلك، يروي تجربة مع مريضة كانت تستعرض أحداث أسبوعها بسرعة وبنبرة رتيبة، فيما بدت عليها علامات التململ وصعوبة التركيز. وقد لاحظ أن اضطرابها بدأ يؤثر فيه، فحوّل انتباهه إلى استجابته الخاصة، وأبطأ تنفسه، وخفّض صوته، وتريّث قبل الرد. ثم توقفت المريضة في منتصف حديثها ونظرت إليه، وقالت إنه يبدو أهدأ مما تشعر هي، من دون أن يكون قد قدّم لها نصيحة مباشرة.
ويفسر الكاتب هذا المثال بأن الحضور الهادئ والمتوازن للمعالج يتيح للمريض أن «يستعير» لحظةً هذا الاتزان ويستفيد منه. فالتعاطف هنا لا يظهر باعتباره إجراء يطبقه المعالج على شخص آخر، وإنما حالة يحافظ عليها ويجدها المريض متاحة له. ويصل نينيفاجي بين هذا التصور والذكاء العاطفي، ولا سيما القدرة على تنظيم المزاج والمحافظة على الاتزان عند مواجهة تفاصيل الحياة اليومية.
اليقظة في العمل والعادات والهوايات
ويمتد هذا المنطق، في المقال، إلى العمل والعلاقات والعادات الشخصية. إذ يرى الكاتب أن التفاعل الواعي يساعد على الحد من الإنهاك الجسدي والعاطفي، وأن التدريب المستمر ينعكس على الخيارات المرتبطة بالغذاء والنشاط البدني ونمط الحياة، في سياق أوسع من الأدلة على أثر التأمل اليقظ في خفض التوتر. كما يضع العلاقات بين أبرز المجالات التي قد تستفيد من تغير طريقة الانتباه إلى الذات والآخرين، مع تأكيد أن تعديل العادات يحتاج إلى ممارسة.
ولا يحصر نينيفاجي تطبيق اليقظة في المواقف الصعبة أو الجلسات العلاجية. فهو يتناول أيضا الرياضة والهوايات والمهام المهنية، موضحا أن شرود الذهن وفقدان التركيز قد يولدان شعورا بالمقاومة والانزعاج. وعندما يلاحظ الإنسان هذا الشعور ويتفاعل معه، يمكن أن تتحول المقاومة من عائق محبط إلى معلومة تساعده على فهم ما يحدث أثناء النشاط وإعادة توجيه انتباهه إليه.
وبهذا المعنى، لا تصبح المهمة بالضرورة أسهل، لكن علاقة الشخص بها تتغير عندما يكف انتباهه عن مقاومتها. ويربط المقال هذه العملية بتوازن التفكير والانفعال؛ فإذا انسجما، صار الاستدلال أكثر وضوحا. وفي المقابل، يشير إلى أن نقص المعلومات والارتباك والقلق قد تعيق اتخاذ قرارات مدروسة، وأن الضغط يزيد صعوبة التعامل مع الأفكار والمشاعر المتعارضة.
وتقوم المقاربة التي يقدمها الكاتب على الجمع بين وضوح الإدراك والوعي بالحالة العاطفية، لا على الاكتفاء برصد الأفكار بمعزل عن سياقها. ومن ثم، تصبح اليقظة المكتسبة تدريبا متكررا على الانتباه وضبط الاستجابة وفهم الآخرين. ويعرض نينيفاجي فوائدها ضمن رؤيته وممارسته السريرية، مع إبقاء التعاطف وتبنّي منظور الطرف الآخر في صلب تعريفه لها.