أثار الممثل اللبناني شادي حداد ملف حضور الأعمال ذات الطابع الديني في المهرجانات السينمائية، مستنداً إلى تجربته في أعمال دينية تجسد شخصية المسيح وأخرى تعالج ثيمات روحية صريحة، ليصف موقع هذه الأعمال في خارطة العروض والجوائز بأنه هامشي مقارنة بالإنتاجات ذات الطابع الاجتماعي أو التجاري. حديثه يأتي بعد مسار مهني عرف فيه خصوصاً من خلال الفيلم اللبناني "ع مفرق طريق" الذي يحمل بعداً روحياً واضحاً، ويشتبك مع الأسئلة الدينية والوجودية في قالب درامي معاصر، ما جعله من الأسماء المرتبطة بهذا النوع من الأعمال في المشهد اللبناني.
يستند حداد إلى خبرته مع أعمال دينية سابقة مثل العمل الدرامي "من أجلكم" الذي تناول آلام المسيح وتطلب إنتاجاً مكلفاً، إذ واجه في بدايات المشروع صعوبات في تأمين التمويل، بحجة أن الأعمال الدينية لا تحقق عوائد مالية كبيرة ولا تستقطب التهافت ذاته الذي تحظى به أنواع أخرى من الإنتاج. هذه التجربة شكلت بالنسبة إليه نموذجاً على الفجوة بين الخطاب الذي يثمن القيم الروحية والواقع العملي لسوق الإنتاج والتوزيع، حيث تتحكم حسابات الربح والخسارة في فرص خروج هذه الأعمال إلى الجمهور، فضلاً عن مشاركتها في المهرجانات.
في قراءته لمشهد المهرجانات، يصف حداد حضور الأعمال الدينية بأنه محدود، سواء على مستوى البرمجة أو التتويج، مع وجود استثناءات قليلة، بينما تحظى أفلام أخرى تعالج مواضيع اجتماعية أو سياسية بمساحة أوسع من الاهتمام النقدي والإعلامي. هذا الوضع، كما يعرضه، ينتج نوعاً من التصنيف غير المعلن، حيث تُعامل الأعمال التي تحمل رسائل روحية أو دينية على أنها "خارج السوق" أو موجهة إلى جمهور ضيق، ما يقلل من حظوظها في المنافسة ضمن المنصات الدولية والإقليمية.
تجربة "ع مفرق طريق" قدمت مثالاً آخر على هذا التوتر، فهو فيلم يقدم قصة ممثل شهير يتعرض لحادث يعيد صياغة علاقته بذاته وبالمحيط، ويتقاطع مع عالم الحياة الرهبانية والفضاء الكنسي، في مزج بين الحكاية السينمائية والتجربة الروحية. العمل حمل رسائل عن الحب وإعادة ترتيب الأولويات والبحث عن معنى، واعتبره حداد إضافة للبنية الحالية للسينما اللبنانية، لكنه بقي في خانة الأفلام التي تُقرأ أساساً من زاوية رسالتها الروحية، أكثر من إدراجها ضمن تيار سينما المؤلف أو السينما الفنية ذات الطابع العالمي.
على مستوى السوق، يربط حداد بين ضعف الإقبال الإنتاجي على الأعمال الدينية ومحدودية شبكات التوزيع التي تقبل بها، إذ ترجح شركات التوزيع والمهرجانات الأفلام التي تملك فرصاً أعلى في شباك التذاكر أو في مسارات الجوائز الدولية. ومع أن بعض المهرجانات تخصص برامج لموضوعات الإيمان أو الروحانيات، إلا أن هذه الأقسام تظل في الغالب هامشية مقارنة بالمسابقات الرسمية، حيث تتركز الأضواء والجوائز الأساسية.
في خلفية هذا النقاش، يتقاطع موقف حداد مع نقاش أوسع حول العلاقة بين الفن والدين في العالم العربي، إذ يرى باحثون في مؤسسات مثل "الفرقان للتراث الإسلامي" أن الفنون مباحة ما لم تناقض أصول العقيدة أو تدعو إلى قيم مضادة، ما يفتح نظرياً الباب أمام أعمال فنية دينية متعددة الأشكال. في المقابل، تُسجل دراسات ومقالات فكرية أن المؤسسة الدينية أو الاجتماعية قد تفرض قيوداً على حرية التعبير الفني، لكنها في الوقت نفسه تمد الفن بمواد رمزية وثقافية تغذيه، وهو ما يجعل الأعمال الدينية في موقع ملتبس بين التقييد والرفد.
بالنسبة للبيئة العربية المعاصرة، تبرز أيضاً إشكالية استخدام الفن في صراعات دينية أو أيديولوجية، حيث يحذر بعض الباحثين من توظيف الأعمال الدينية في اتجاهات متطرفة أو تعبئة سياسية، ما يضيف حساسية إضافية عند برمجة هذا النوع من الأفلام في المهرجانات. ضمن هذا السياق، يصبح الفنان الذي يختار الانخراط في أعمال دينية مطالباً بموازنة دقيقة بين الوفاء لمرجعياته الروحية واحترام معايير الفن السينمائي الحديث، وهي معادلة يحاول حداد الدفاع عنها من خلال الدعوة إلى تقييم هذه الأعمال على أساس قيمتها الفنية لا فقط خلفيتها الدينية.
يتلاقى خطاب حداد مع نقاش مهني داخل دوائر المهرجانات حول معايير الاختيار والتحكيم، حيث يجري أحياناً إقصاء أو تهميش الأعمال ذات المرجعية الدينية بدعوى تجنب الحساسية أو الاتهام بالانحياز، ما يفتح مجالاً للنقاش حول ضرورة تحقيق توازن بين حرية التعبير وحساسية الجمهور. هذا النقاش يطرح على أصحاب المهرجانات والمنتجين والمخرجين سؤالاً عملياً حول إمكانية إعادة إدماج الأعمال الدينية ضمن مسارات رسمية تنافسية، بدل حصرها في عروض خاصة أو برامج موازية محدودة الوصول.