كيف يعيد الذكاء الاصطناعي رسم حدود المقدّس في العصر الرقمي

أضيف بتاريخ 12/09/2025
عبر المرصد الجيوسياسي للديني

مع توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الديني، يشهد العالم تحوّلًا عميقًا في طريقة الإيمان والممارسة وضبط الفضاء الروحي. لم يعد الأمر مجرّد توظيف لأدوات تقنية جديدة، بل بات الذكاء الاصطناعي عاملًا بنيويًا يعيد تشكيل العلاقة بين المقدّس والسلطة والسياسة والأمن، ويحوّل الدين إلى رهان استراتيجي في معارك المعنى والتأثير.  



لم تعد الكلمة الدينية محصورة في الواعظ ورجل الدين والمؤسسة والكتب المطبوعة أو الشفوية، بل انتقلت إلى بنى رقمية معقّدة: قواعد بيانات، نماذج لغوية، خوارزميات توصية، وواجهات تفاعلية. النصّ الذي كان يُتلقّى باعتباره وحيًا أو تراثًا مقدّسًا صار يُتعامل معه كـ “مستودع بيانات”، يُجزّأ ويُفهرَس ويُعاد تركيبه استجابةً لأسئلة المستخدم، فيتحوّل الدعاء إلى “طلب” موجّه إلى واجهة، والفتوى إلى “إخراج” آلي لمعلومة مضغوطة.

المنصات والتطبيقات الدينية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تقدّم صورة واضحة عن هذا التحوّل. مشاريع كتابية أو قرآنية أو تلمودية أو نصوص دينية أخرى تُقدَّم اليوم عبر تطبيقات تتيح القراءة، والتفسير، والإرشاد الروحي، والرد على الأسئلة العقائدية والأخلاقية، ضمن تجربة شخصية مكيّفة مع مزاج المستخدم وسلوكه الرقمي. تُصاغ اللغة الدينية في كثير من هذه المنصات بلغة الرفاه الشخصي والتحفيز الذاتي، بما ينسجم مع ثقافة النجاح الفردي والنجاعة المنتشرة في المنظومة الرقمية المعاصرة.

هذا التحوّل يفتح الباب أمام اقتصاد جديد لـ “الانتباه الروحي”. فكل آية تُستشار، وكل سؤال يُرسل، وكل دعاء يُسجَّل، يصبح جزءًا من تدفقات بيانات يمكن استثمارها في تحسين النماذج، وفي الوقت نفسه في رسم خرائط دقيقة للتديّن والحساسيات الإيمانية وأنماط البحث عن المعنى لدى الأفراد والجماعات. وهكذا تصبح الروحانية قابلة للقياس والتتبع، ما يسمح بتحويلها إلى موضوع إدارة وحوكمة ضمن فضاء معلوماتي عالمي يزداد مركزية وترابطًا.

من هنا تظهر وظيفة الذكاء الاصطناعي الديني كأداة من أدوات “القوة الناعمة” في يد دول ومؤسسات دينية وشركات تكنولوجية. عبر هذه المنصات، تُنشَر قراءات معيّنة للنصوص وتُبنى صور محدّدة عن الدين، منسجمة مع رؤى قومية أو حضارية أو لاهوتية. بهذه الطريقة تتحوّل تطبيقات تبدو في ظاهرها روحية أو تعليمية إلى قنوات دبلوماسية رمزية، تساهم في تكوين صورة بلد أو حضارة أو كنيسة أو جماعة دينية في الفضاء الرقمي العالمي.

لكن المسار لا يتوقف عند التأثير اللطيف والجاذبية الثقافية. في سياقات أخرى، تستخدم مؤسّسات رسمية تعنى بالشأن الديني نماذج ذكاء اصطناعي لإنتاج فتاوى أو أجوبة شرعية أو توجيهات سلوكية، تُقدَّم للمواطن على أنّها مرجعية موحّدة وموثوقة. في هذه الحالة، يتحوّل النظام الخوارزمي إلى آلية مركزية لضبط التفسير، بحيث يُهمَّش الاجتهاد المتعدد، وتُدفع القراءات المخالفة أو النقدية إلى الهوامش، لصالح تأويل واحد يتماهى مع خطاب الدولة أو السلطة الدينية المهيمنة.

بهذا المعنى، ينتقل “المَجْمَع الديني” من هيئة بشرية متعدّدة الأصوات إلى “كود” مغلق المعايير. لم يعد المؤمن يذهب إلى عالم دين بعينه، بل إلى واجهة واحدة يُفترض أنها تجسّد الحقيقة الشرعية أو العقائدية، من دون أن يعرف كيف اختيرت المصادر، وكيف رُتّبت الأولويات، وكيف صيغت قواعد الاستدلال. الشرعية الروحية تُعاد صياغتها في هيئة موثوقية تقنية، والثقة تتحوّل من الشخص إلى المنظومة.

هذه النقلة تفتح المجال أمام نوع من “السلطوية الناعمة” في المجال الديني. بدل أن يُفرض الخطاب الرسمي بالعنف المباشر، يُعاد إنتاجه عبر إجابات مكرّرة، وصياغات مهدّئة، وإخفاء منهجي للبدائل التفسيرية. يميل الفضاء الرقمي في هذه الحالة إلى تسطيح التنوع اللاهوتي والفقهي، وتقديم صورة ملساء عن الدين، خالية من التوترات والخلافات، منسجمة مع منطق الاستقرار والانسجام الذي تسعى إليه السلطة السياسية.

على مستوى الأمن والفعل الاستراتيجي، تبرز خطورة أخرى: الدين يتحوّل إلى ساحة مركزية في حرب المعلومات وحرب العقول. فالأنظمة القادرة على توليد خطابات دينية، أو إعادة دمج آيات وروايات، أو تقليد أسلوب دعاة وكارزميين، يمكن أن تُستخدم لأغراض التجنيد، والتحريض، والتأطير الأيديولوجي. إذ إن المرجعية الدينية تمتلك قابلية عالية لتحريك العواطف وإعادة تشكيل الانتماءات والحدود بين “نحن” و”هم”.

في هذا السياق، تُطرح فرضية “جهاد خوارزمي”، تُوظَّف فيه أدوات الذكاء الاصطناعي لتجميع نصوص وتركيبها في رسائل تعبئة متطرفة، تمنح العنف مظهرًا من مظاهر الوفاء للنص المقدّس. يتيح الخطاب المتولِّد آليًا انطباعًا بامتلاك سند نصي واسع، بينما الواقع أن كثيرًا من هذه الرسائل تقوم على اجتزاء وفصل النصوص عن سياقاتها التاريخية والفقهية. تتعزز هذه الديناميكية بخطورة “الزيف العميق الروحي”، حيث يمكن لمحركات متقدّمة أن تقلّد خطاب شخصيات دينية محترمة، فتضع على ألسنتها مواقف لم تصدر عنها في الأصل.

المؤمن في هذه البيئة يتحوّل، من حيث لا يدري، إلى فاعل في معركة رمزية أوسع. مشاركة مقطع قصير، أو فتوى آلية، أو فقرة ملهمة، قد تعني في بعض الحالات خدمة سردية سياسية أو أيديولوجية مخفية. فالفرد لم يعد فقط مستهلكًا للخطاب الديني، بل صار حلقة في شبكة إعادة إنتاجه واستعماله في صراعات تتجاوز أفقه الشخصي أو المحلي.

ومن الزاوية الجيوسياسية، يظهر مفهوم “السيادة الرقمية الدينية” بوصفه حقلًا جديدًا للتنافس. دول عدّة بدأت تنظر إلى ترميز تراثها الديني في نماذج ذكاء اصطناعي على أنه شكل من أشكال حماية الهوية وترسيم حدود معنوية في الفضاء السيبراني. التحكم في البنى التحتية للخطاب الديني الرقمي يصبح معادلًا للتحكم في تكوين الضمير الجمعي، وفي قدرة المجتمع على مقاومة سرديات خارجية أو التفاعل معها بشروطه الخاصة.

إلى جانب ذلك، تسعى مؤسسات دينية كبرى، وهيئات دولية، وجهات فكرية، إلى صياغة مبادئ أخلاقية تنظّم هذا المجال، بما يحفظ التنوع الثقافي والروحي ويصون حرية المعتقد. غير أن التحدي لا يقتصر على وضع قواعد تقنية أو قانونية؛ بل يطال سؤالًا أعمق: من يملك حق تعريف ما يُعتبَر “تمثيلًا صحيحًا” للدين في الفضاء الخوارزمي؟ وكيف يمكن تجنّب أن تتحوّل حماية الإيمان إلى ذريعة لاحتكار التفسير وقمع الاختلاف؟

في هذا الإطار، تبرز ثلاثة شروط أساسية لأي حوكمة متوازنة للمقدّس الرقمي: أوّلها الشفافية في ما يتعلّق بالمصادر والنصوص التي تُدرَّب عليها النماذج، حتى يكون المستخدم قادرًا على تقييم الأفق التأويلي الذي يتحرّك فيه النظام. وثانيها إرساء آليات واضحة للمساءلة الأخلاقية، بحيث تُلزَم الجهات المطوِّرة بعدم استغلال ثقة المؤمن لأغراض تجارية صرفة أو دعائية أو قمعية. أمّا الثالث، فهو إعادة الاعتبار للوساطة البشرية، بوصفها شرطًا لحيوية الدين وقدرته على مقاومة الاختزال في معادلات إحصائية.

تذكّر هذه النقاط بما ورد في مذكرة صادرة عن “المرصد الجيوسياسي للديني” التابع لمعهد العلاقات الدولية والإستراتيجية (IRIS) في باريس، أعدّها الباحث الفرنسي فرنسوا مابيل حول الذكاء الاصطناعي الديني باعتباره أداة قوة ناعمة وقوة حادّة روحية، حيث يعرض مفهوم “الجيوسياسة للمقدّس المرمَّز” ويربط بين التحول التقني وأسئلة السلطة والشرعية والسيادة في زمن الكود.

في خلفية كل ذلك، يبرز سؤال أوسع يتعلّق بمستقبل الوعي الديني والإنساني معًا. هل يُسمح للآلات بأن تُملي إيقاع العلاقة مع المقدّس، وأن تضبط معايير القبول والرفض في الإيمان؟ أم يُعاد التأكيد على أن التقنية، مهما بلغت، لا يمكن أن تكون بديلًا عن الخبرة البشرية، وعن بطء التأمل، واحتكاك المعنى بالحياة المعاشة؟ بين إيمان ممرّر عبر خوارزميات وإيمان يتغذّى من التجربة والذاكرة والجماعة، يتحدد جزء كبير من ملامح الدين – وربما من ملامح الإنسان – في العقود المقبلة.


ObsReligieux_2025_12_IA_soft_sharp_power_spirituel_Note_FR ObsReligieux_2025_12_IA_soft_sharp_power_spirituel_Note_FR