يطغى على النقاشات العامة حول الإسلام مصطلح “التقية”، وغالبًا ما يُقدَّم بصورة لا تعكس دقته التاريخية والفقهية. يتناول هذا المقال معنى التقية وجذورها وكيفية فهم المسلمين لها عبر العصور وفي الوقت الحاضر، مع تصحيح الشائع من التصورات المغلوطة.
التقية في أصلها من الجذر العربي “وقى”، أي الوقاية والحفظ. وهي في الاصطلاح رخصة استثنائية تتيح للمؤمن إخفاء معتقده حمايةً للنفس عند وقوع تهديدٍ حقيقي يطال الحياة أو سلامة الجسد أو العرض أو المال. يستند هذا المفهوم إلى آياتٍ قرآنية تفرّق بين من يُكرَه على التلفظ بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، وبين من يختار الكفر طوعًا؛ فالأول معذور والثاني مؤاخذ. لذلك، تُعدّ التقية —عند من يقول بها— مخرجًا ضيقًا في حالات الإكراه القاهر، لا إذنًا عامًا بالكذب.
برزت التقية بوضوح أكبر في التراث الشيعي بسبب موقع الشيعة التاريخي كأقليةٍ تعرضت لفترات من الاضطهاد، ما دعا بعض أئمتهم وأتباعهم إلى كتمان الانتماء الديني اتقاءً للخطر. ومع ذلك تضع المدوّنات الشيعية حدودًا صارمة: تُشرَع التقية عند الخوف الجِدّي على النفس أو العرض أو المال، ولا تُستعمل لتحصيل مكاسب أو مآرب دنيوية، وقد تُصبح واجبة إذا تعيّنت لحفظ النفس من الهلاك. في المقابل، حضر النقاش في الفقه السني غالبًا بمصطلح “الإكراه” أكثر من “التقية”، مع تقريرٍ مضمونه متقارب: يجوز الترخيص تحت الإكراه الملجئ، ويظل الكذب من كبائر الذنوب خارج تلك الضرورة.
تتفق غالبية المصادر السنية والشيعية على قيودٍ أربعة تجعل التقية استثناءً لا أصلًا:
-
وجود خطرٍ آنيّ جِدّي غير متوهم.
-
اقتصار الرخصة على القدر اللازم لدفع الأذى.
-
بقاء الاعتقاد القلبي على حاله دون تبديل.
-
سقوط الرخصة إذا ترتب عليها اعتداء على أرواح الآخرين؛ فلا تُدفع النفس بإزهاق نفسٍ أخرى.
تشيع في الخطاب العام شبهةٌ مفادها أن “التقية” تعني إباحة خداع غير المسلمين خدمةً للدين. هذه الصورة لا يسندها التاريخ الفقهي ولا التطبيقات العملية في التيار العام؛ إذ ينصّ التراث بأغلبه على تحريم الغدر والكذب مطلقًا، ويقصر الرخص على الضرورات القهرية لحفظ النفس. حتى الرخصة المتصلة بالقتال—المبنية على حديث إباحة “الكذب في الحرب”—تفهمها المراجع القانونية في إطار الخداع العسكري المشروع ميدانيًا، لا كترخيصٍ عام للتعامل مع المدنيين أو المجتمعات خارج ساحة النزاع، مع التأكيد الدائم على حرمة الخيانة.
عمليًا، يندر أن يواجه المسلمون—وخاصةً في السياق السني—حالاتٍ تستدعي تطبيق التقية، ولهذا يجهل كثيرون المصطلح أصلًا، أو لا يعرفونه إلا من خلال خطابٍ نقدي خارجي. وبينما رفض بعض العلماء تاريخيًا أي استعمالٍ لها، رأى آخرون أنها رخصة تضيق حتى تكاد تنعدم خارج الإكراه الماحق. وفي كلا الاتجاهين يظل الضابط الأكبر: عظمة حرمة الكذب، وكون الضرورة تُقدّر بقدرها.
“التقية” أو “الإكراه” ليست سياسة تواصل ولا أداة دعوة، بل رخصة اضطرارية لحماية الحياة عند الخطر المباشر. وما عدا ذلك يبقى داخل حدود الصدق والأمانة التي قررها التراث الإسلامي على اختلاف مدارسه.
ملاحظة مصدر: النص الأصلي مادة إنجليزية مُقدَّمة عبر بودكاست Let's Talk Religion


