المغرب يمتلك اليوم شرعية كاملة ليكون مركزاً لحوار الحضارات، رغم الأطروحات التي تروّج لصدامها. يستند الطرح إلى نقاشات أكاديمية المملكة لخبراء في العلوم السياسية والدينية والاجتماعية والتاريخية حول تأثير تأويل النصوص الدينية على السياسات العالمية قديماً وحديثاً، وما يفتحه ذلك من مسارات عملية لحوار الأديان والتعايش.
تراكم خبرات المغرب المؤسسية والثقافية يمنحه موقعاً فريداً لبناء جسور بين المجتمعات. بنية التعدد داخله، وحضوره في المبادرات العابرة للحدود، يجعلان الرباط والدار البيضاء وفاس وغيرها فضاءات قابلة لاستقبال نقاشات صعبة حول التأويل الديني والسياسات العامة. هذا الرصيد لا يقوم على شعارات، بل على ممارسة مستمرة للحوار، واستثمار في الوساطة الثقافية، ومقاربات أمنية وقانونية تعطي للتعدد قيمة عملية.
في سياق تتزايد فيه القراءات المتضادة للنصوص المقدسة وتنعكس على الرأي العام والسياسات، يبرز دور التأويل المسؤول كأداة لتخفيف التوتر وإعادة بناء الثقة. إدراج التأويل في حقل السياسات يعني وصل المعرفة الدينية بالنقاش المدني، وتحويل الاختلاف إلى مورد بدلاً من كونه خطراً. هنا تتقدم تجربة المغرب كنموذج يربط بين المعرفة الدينية، وإدارة التنوع، والدبلوماسية الثقافية.
الرهان اليوم ليس إثبات أسبقية ثقافية، بل تنظيم مساحات حوار فعّالة تجمع علماء دين وباحثين وصنّاع سياسات وفاعلين مدنيين. عندما تُصمَّم اللقاءات حول حوار الأديان على أساس معايير واضحة للتمثيل، وشفافية في الأهداف، ومخرجات قابلة للتنفيذ، تتحول من مناسبات رمزية إلى أدوات تغيير. بهذا المعنى، يستوفي المغرب الشروط العملية ليكون مركزاً دولياً لحوار الحضارات: قابلية الاستضافة، وثقة الأطراف، والبنية المعرفية، والحياد النسبي.
إن جعل المغرب نقطة ارتكاز لحوار الحضارات ليس امتيازاً خطابياً، بل استثماراً استراتيجياً في الأمن الثقافي العالمي. الربط بين التأويل الديني المسؤول، والسياسات العامة الشاملة، والتواصل بين المجتمعات يقدّم بديلاً واقعياً عن سردية الصدام، ويمنح المنطقة والعالم مساراً أكثر اتزاناً نحو التعايش والبناء.







