درويشٌ في قلب العاصفة: حين يتحوّل القمع إلى لوحة صوفية

أضيف بتاريخ 12/22/2025
دار سُبْحة

في هذه الصورة المدهشة يقف رجلٌ وحيد في شارع إسطنبولي مضاء بأضواءٍ قاسية، يرتدي عباءة الدراويش السوداء وقلنسوتهم الطويلة، بينما يندفع رذاذ الفلفل من أفواه البنادق نحو جسده في غمامةٍ كثيفة تشبه المطر أو الضباب، كأنّ العنف نفسه يتحوّل إلى خلفيةٍ ضوئية لرجلٍ غارق في سكونه الداخلي. خلفه صفوف متراصّة من رجال الشرطة ودروعهم البلاستيكية، لكن مركز الثقل البصري يظل هذا الجسد المتبتّل، الذي يواجه آلة الدولة لا بصراخٍ أو حجارة، بل بزيٍّ استعار رموزه من أعمق طبقات الروح.  



زي الدراويش هنا ليس مجرد لباسٍ فولكلوري؛ القبعة المخروطية تمثّل شاهد قبر الأنا، والعباءة السوداء قبر الجسد، بينما يختفي تحتها ثوب أبيض يرمز إلى الكفن وبداية الميلاد الروحي الجديد، وفق الرمزية المولوية في طقس السماع. هذه العناصر التي صيغت أصلاً لتجسيد فكرة «الموت قبل الموت» في التصوف، تبدو في الصورة وكأنها تضع جسد المتظاهر على تخوم عالمين: عالمٍ ماديّ يخنقه الغاز، وعالمٍ باطنيّ يتهيّأ فيه القلب لعبورٍ صامت نحو الله.  

رقصة الدراويش، في أصلها، رحلةٌ كونية تدور فيها الأجساد كما تدور الكواكب حول الشمس؛ يدٌ تستقبل أنفاس الرحمة من السماء وأخرى تبثّها إلى الأرض، في حركةٍ دائرية لا تتوقّف إلا عند لحظة الفناء في المحبوب الإلهي. في الصورة، توقّفت الأقدام عن الدوران، لكن الروح تواصل رقصتها غير المرئية؛ الجسد ثابت وسط العاصفة، وكأنّ الدرويش يحوّل الشارع إلى ساحة سماعٍ سرّية، تلتفّ حولها خوذات الجنود بدل وجوه المريدين، ليصبح خط الشرطة دائرةً معكوسة تحاصر الجسد، بينما يظل القلب حرّاً يدور في مداره الخاص.  

هذا التشابك بين الفن والروح يضفي على المشهد بُعداً تشكيلياً خالصاً؛ رذاذ الفلفل يتحوّل إلى نقاطٍ مضيئة كأنها طلاء يُرشّ على لوحة، والضوء الأبيض المنفجر من منتصف الكادر يبدو مثل هالةٍ أو نوافذ كنيسةٍ مضاءة من الداخل، فيما يرسم ظلّ الدرويش الطويل على الإسفلت خطّاً عمودياً يشطر الصورة بين عالمين متقابلين. إنّها «نهضة» صغيرة تولد من قلب الشارع، تذكّر بتكوينات اللوحات الدينية القديمة حيث يقف القديس وحيداً في مواجهة جيوش الظل، لكن القديس هنا ليس سوى متظاهرٍ معاصر أعاد استحضار لغة الرموز الصوفية ليحوّل الاحتجاج إلى عملٍ أدائيّ عابر للسياسة اليومية.  

من الناحية الروحية، يذكّر حضور الدرويش المتقنّع بقناع الغاز بأن الطريق إلى الله في التصوف يمرّ عبر نزع الأقنعة لا ارتدائها، غير أن قسوة الواقع اضطرت هذا الجسد المتعب أن يحمي رئتيه من حرق الكيماويات ليتمكّن من مواصلة أنفاس ذكره الداخلي. هنا يتقاطع المعنى الصوفي للفناء في الله مع معنى آخر للفناء على يد السلطة؛ بين موتٍ اختياريّ يسعى إليه السالك كي يتحرّر من الأنا، وموتٍ مفروض تهدّد به البنادق الكيماوية كل من يرفع صوته في وجه الحاكم، فتتخذ الصورة شكل صلاةٍ معلّقة بين شهيدٍ محتمل ووليٍّ يتدرّب على الخلاص.  

هكذا، تتجاوز هذه اللقطة حدود الخبر اليومي لتقدَّم كأيقونةٍ بصرية لعصرٍ مأزوم: دولةٌ تحتمي بدروعها من جسدٍ واحد، وروحٌ واحدة تستعين بذاكرة رومي ورقص الدراويش كي تعيد تعريف الشجاعة لا كصرخةٍ غاضبة، بل كسكونٍ مطمئن وسط العنف، وثقةٍ بأن دوران التاريخ، مثل دوران السماع، لا بد أن يميل في النهاية لمن اختار الحبّ طريقاً إلى الحرية.