يقدّم بيار تيفانيان في هذا الكتاب عملاً نقدياً لاذعاً يعيد طرح سؤال علاقة اليسار الفرنسي بالدين، وبالإسلام خصوصاً، بعيداً عن الشعارات المتداولة حول «محاربة الظلامية» و«تحرير المرأة المسلمة». ينطلق المؤلف من «قضية إلهام موسايد»، المناضلة في الحزب الجديد المناهض للرأسمالية التي مُنعت من الترشح لأنها ترتدي الحجاب، ليفكك كيف تحوّل جزء من اليسار إلى سلطة ضبط رمزي تستبعد المتدينين من الحقل السياسي باسم الدفاع عن العلمانية. في قلب هذا الجدل تستعاد عبارة ماركس الشهيرة «الدين أفيون الشعب» كذخيرة جاهزة لتبرير الإقصاء، بينما يدعو تيفانيان إلى العودة المتأنية إلى نصوص ماركس لفهم أن الدين بالنسبة إليه لم يكن مجرد مخدّر، بل أيضاً «زفرة المخلوق المقهور» وأحد أعراض البؤس الاجتماعي، لا سببه الوحيد
يُظهر المؤلف أن التقليد الماركسي التاريخي لم يقدّس النضال ضد الدين في حد ذاته، بل حذّر من تحوّله إلى إيديولوجيا برجوازية تصرف الأنظار عن جذور الظلم الطبقي والسياسي. لذلك يستحضر تيفانيان نماذج من الفكر والممارسة الاشتراكية حيث جرى التنظير لتحالف «من يؤمن بالسماء ومن لا يؤمن بها» في مواجهة الاستبداد والاستغلال، مؤكداً أن المعركة الحقيقية لا تُخاض ضد إيمان الأفراد، بل ضد البنى التي تنتج القهر. على هذا الأساس تنقلب أطروحة «الأفيون» في عنوان الكتاب: لم يعد الدين هو المخدّر، بل شكل من الإلحاد المتعالي الذي يمنح بعض اليسار شعوراً بالتفوق الأخلاقي والفكري، وفي الوقت نفسه يعطله عن العمل مع فئات شعبية واسعة متدينة لكنها تطمح إلى العدالة الاجتماعية والكرامة.
يتوقف الكتاب مطولاً عند مفهوم العلمانية، مميزاً بين علمانية حقوقية تجعل الدولة على مسافة واحدة من كل المعتقدات وتكفل حرية الضمير، وبين علمانية متطرفة تُختزل في هاجس «تطهير» الفضاء العام من كل تعبير ديني، فتتحول إلى أداة إقصاء عنصري مقنّع. في هذا الإطار يربط تيفانيان بين خطاب جزء من اليسار وخطاب اليمين المتطرف، من حيث التركيز المهووس على الحجاب، واختزال المسلمين في هوية واحدة، واستدعاء المخيال الأمني والحضاري ذاته حول «التهديد الإسلامي». كما يستعين بتحليلات أمارتيا سِن حول تعددية هويات الفرد، لينبّه إلى خطورة اختزال الشخص في دينه وحده، سواء كان ذلك بهدف استهدافه أو «تحريره» قسراً.
أسلوب الكتاب يجمع بين وضوح العرض الفلسفي وحيوية السجال السياسي، مع استعمال كثيف للأمثلة الإعلامية والسياسية من العقدين الأخيرين، ما يجعله قريباً من اهتمامات الصحفيين والفاعلين في مجال النقاش العمومي. لا يقدّم تيفانيان دفاعاً عن المؤسسات الدينية ولا دعوة إلى إعادة أسطرة المقدس، بل يوجّه نقده إلى ما يسميه «اليسار الأفيوني» الذي استبدل النضال الاجتماعي بنضال رمزي ضد الرموز الدينية، متجاهلاً تدهور شروط العيش والعمل والحريات. بذلك يشكّل الكتاب أداة ثمينة لإعادة التفكير في موقع الدين داخل استراتيجيات التحرر، ومرجعاً مهماً لكل من يشتغل على الإسلاموفوبيا، والجدل حول الحجاب، وتحولات الخطاب اليساري في فرنسا وأوروبا.


