في ليلة ميلاد المسيح، تحولت البلدة الجبلية رابكا‑زدرويج في جنوب بولندا إلى مسرح روحي حيّ يجمع بين الإيمان الكاثوليكي والهوية الجبلية المتجذرة في الجنوب البولندي. داخل كنيسة سانت ماري ماغدالين التاريخية، احتشد المصلون حتى غصّت بهم أروقة المكان، فيما اصطفّ الأطفال والشباب بزيّهم الجبلي التقليدي حول المذبح استعدادًا لقداس عيد الميلاد على الطريقة التي يطلق عليها البولنديون «البوديةالي» أو أسلوب سكان المرتفعات.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن الجمال في هذا القداس لا يقتصر على الطقس الليتورجي ذاته، بل يشمل المشهد البصري الكامل: أزياء فلكلورية ملوّنة، قبعات وجلود تقليدية، أحذية جبلية سميكة، ووجوه طفولية تشع حماسة وخجلًا في آن واحد. وقف الكهنة إلى جوار جوقة من الصغار ينتمون إلى واحدة من أشهر الفرق الفلكلورية الجبلية في بولندا، يؤدّون التراتيل الميلادية بصوت جماعي قوي، بينما تمتزج أصواتهم مع أنغام الكمانات والكونتراباص وآلات وترية أخرى من التراث الجبلي.
الكنيسة نفسها تحولت إلى فضاء صوتي مكتمل؛ الجدران الخشبية والقباب العالية عكست الصدى ورفعت منسوب الرهبة في كل ترنيمة، حتى بدت التراتيل وكأنها تنبع من قلب الجبل لا من مكبرات الصوت. ومع توالي أجزاء القداس، تعاقبت اللحظات بين خشوع صامت يرافق قراءات الإنجيل وصلوات الكاهن، وانفجارات دفء جماعي كلما انطلقت ترنيمة جديدة يعرفها الحضور عن ظهر قلب، يرددونها مع الجوقة بلسان واحد ولهجة محلية تعبّر عن خصوصية الجنوب البولندي.
في هذا المشهد، لم يعد الأطفال مجرد مشاركين رمزيين في احتفال ديني، بل تصدّروا واجهة الحدث كحملة تراث وأمناء على ذاكرة موسيقية تنقل الإيمان والهوية من جيل إلى آخر. ملامحهم الطفولية، وحركاتهم المترددة أحيانًا والواثقة أحيانًا أخرى، منحت القداس طابعًا إنسانيًا حميميًا يتجاوز الرسميات، وكأن كل واحد منهم يقدّم هديته الخاصة للميلاد على شكل نغمة أو همسة أو نظرة خاشعة.
أمّا الحضور، فقد توزّعوا بين سكان محليين تعوّدوا هذا النمط من الاحتفال، وزوار جاؤوا من مدن أخرى وبعض السياح الأجانب الذين جذبهم طابع القداس الجبلي الفريد. تعابير الوجوه تراوحت بين الدموع الصامتة التي خطّت مسارها على وجوه كبار السن وهم يستمعون إلى تراتيل طفولتهم، وابتسامات الإعجاب والدهشة لدى من يكتشف هذا المزج لأول مرة بين القداس الكاثوليكي والروح الفلكلورية الجبلية.
اللافت أنّ هذا القداس لم يبقَ حدثًا محليًا مغلقًا على حدود البلدة، بل وجد طريقه سريعًا إلى الفضاء الرقمي عبر مقاطع مصورة انتشرت على المنصات الاجتماعية. ظهر الأطفال بزيّهم التقليدي على الشاشات الصغيرة في أنحاء مختلفة من العالم، يتنقلون بين صفوف الكنيسة، يعزفون ويرتلون، بينما تنهال التعليقات التي تتحدث عن «سحر الميلاد في الجبال البولندية» و«إيمان يتجلى في موسيقى لا تحتاج إلى ترجمة».
هذا الانتشار الرقمي منح القداس بعدًا إضافيًا؛ فالمشهد الذي عاشه المصلون في تلك الليلة لم يعد محصورًا بين جدران الكنيسة، بل تحول إلى نوع من الشهادة البصرية على استمرار التقاليد المسيحية والشعبية في أوروبا الوسطى رغم تسارع وتيرة العلمنة وتراجع الممارسات الدينية في مدن كبرى. وفي المقابل، منح الفضاء الافتراضي لهذا الطقس القديم فرصة جديدة ليُقرأ بعيون أجيال شابة، بعضها بعيد جغرافيًا وثقافيًا عن بولندا، لكنه يجد في الصورة والصوت مدخلًا مختلفًا لفهم معنى الميلاد في ثقافات أخرى.
في نهاية القداس، ومع خروج المصلين إلى ساحة الكنيسة المغطاة بالثلج، بدا الليل الجبلي وكأنه امتداد طبيعي لما جرى في الداخل؛ هواء بارد حاد، أنفاس تتكثف في الفضاء، وضحكات أطفال لا تزال تحتفظ بنبرة التراتيل التي أنشدوها قبل قليل. بين خطوات متثاقلة على الجليد وتبادل التهاني بالعيد، ظلّ صدى الموسيقى الجبلية يرافقهم، ليكرّس هذا القداس بوصفه أكثر من مجرد احتفال ديني دوري، بل لحظة تلتقي فيها الذاكرة الجماعية مع الحاضر وتعيد تعريف الانتماء من خلال أغنية بسيطة في كنيسة صغيرة عند سفح الجبال.

