أثار إعلان الحاخام يعقوب يسرائيل هرتسوغ، المعروف بتقديم نفسه كـ«الحاخام الرئيسي للسعودية»، منعه من دخول المملكة العربية السعودية رغم امتلاكه تأشيرة سارية، نقاشاً واسعاً حول حدود الانفتاح الديني في المملكة، وتقاطع قضايا الهوية والتأشيرات مع المسار المتعثر للتطبيع السعودي‑الإسرائيلي. فالرجل الذي بنى خلال السنوات الماضية صورة الإعلامي‑الديني الذي يتنقّل بين القدس والرياض لخدمة اليهود الزائرين والمقيمين هناك، وجد نفسه فجأة موقوفاً عند الحدود من دون تفسير رسمي.
هرتسوغ نشر عبر منصة X رسالة مطوّلة قال فيها إنه مُنع من دخول السعودية عند وصوله، وأن سلطات الحدود أبلغته أن القرار «نهائي في الوقت الراهن» رغم أن تأشيرته لا تزال صالحة. وأكد أنه أمضى سنوات في خدمة «مجتمع صغير» من اليهود المقيمين والزوار، مقدّماً خدمات دينية ومنسقاً لمنتجات كوشير، وأنه كان يقيم عملياً بين القدس والرياض مستفيداً من جنسيته المزدوجة الأميركية‑الإسرائيلية، التي أتاحت له التحرك في ظل قيود مفروضة تقليدياً على حاملي الجواز الإسرائيلي. وسائل إعلام يهودية وغربية، مثل «تايمز أوف إسرائيل» ووكالة التلغراف اليهودية و«جيروزاليم بوست»، نقلت روايته وأكدت وقوع الحادثة، فيما امتنعت السلطات السعودية حتى الآن عن إصدار تعليق رسمي يوضح الأسباب.
بيان من الحاخام يعقوب هرتسوغ
— Rabbi Jacob Y. Herzog الحاخام يعقوب يسرائيل هرتسوغ (@RabbiHerzog) December 23, 2025
حاخام المملكة العربية السعودية والجزيرة العربية
ببالغ الأسف، أعلن أنه تم منعي من دخول المملكة العربية السعودية عند الوصول، على الرغم من حملي تأشيرة دخول سارية المفعول، وعلى الرغم من أنني قضيت جزءًا كبيرًا من السنوات الماضية أعيش وأخدم في هذه المملكة… pic.twitter.com/DDliJRvjur
قصة هرتسوغ ليست جديدة بالكامل. منذ عام 2021 تقريباً، ظهر اسمه في تقارير صحفية تصفه بـ«الحاخام الأول في الرياض» أو «الحاخام غير الرسمي للسعودية»، إذ يدير شبكة صغيرة لتأمين الطعام الكوشير وطقوس الختان والخدمات الدينية لليهود الموجودين في المملكة، خصوصاً من العاملين في الشركات متعددة الجنسيات أو الدبلوماسيين والزوّار. في المقابل، شددت تلك التقارير على أن السعودية لا تعترف رسمياً بأي مؤسسة دينية يهودية أو حاخامية، وأن وضع الرجل يبقى غير رسمي بالكامل، يعتمد على نشاط فردي في هامش الانفتاح الذي أتاحته رؤية 2030 دون أن يصل إلى مستوى الاعتراف القانوني
حادثة المنع الأخيرة تعيد إبراز المفارقة السعودية الراهنة: من جهة، تسعى الرياض إلى تقديم نفسها كقوة منفتحة تسهّل السياحة والاستثمار وتستقبل فعاليات رياضية وثقافية عالمية، ومن جهة أخرى تتمسك بقواعد صارمة تنظّم الممارسة الدينية في الفضاء العام، وتبقي الأديان غير الإسلامية عملياً في نطاق الخاص وغير المُعلن. في هذا السياق، يصبح وجود حاخام يتحدث إلى الإعلام عن «جالية يهودية» و«خدمات دينية» في المملكة، ويلبَس الزي الديني التقليدي، عاملاً قد يربك المعادلة الداخلية، خاصة في ظل تصاعد حساسية الرأي العام العربي والإسلامي تجاه أي مظهر يُفهم على أنه تطبيع ديني أو رمزي مع إسرائيل
التوتر لا يقتصر على حالة هرتسوغ. في مارس 2024، أنهت لجنة الولايات المتحدة للحريات الدينية الدولية زيارة رسمية إلى السعودية مبكراً بعد خلاف مع مسؤولين سعوديين بشأن ارتداء رئيس الوفد الحاخام أبراهام كوبر للكيباه في العلن. اللجنة تحدثت عن طلب رسمي بنزع غطاء الرأس الديني خلال بعض الأنشطة العامة، معتبرة أن ذلك يتناقض مع تعهدات المملكة في ملف الحريات الدينية. الحادثة، التي وثقتها بيانات رسمية وتقارير إعلامية أميركية، كشفت حدود المرونة السعودية في التعامل مع الرموز الدينية غير الإسلامية في المجال العام، رغم الخطاب الرسمي عن «التسامح» و«التقارب بين الأديان».
تأتي واقعة منع هرتسوغ أيضاً في ظل ظرف سياسي إقليمي شديد الحساسية. الحرب على غزة، وتعثر مساعي وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، أعادا ملف التطبيع السعودي‑الإسرائيلي إلى الخلفية، بعد أن كان قبل أكتوبر 2023 في صدارة أجندة واشنطن والرياض. القيادة السعودية، وعلى رأسها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، شددت مراراً على أن قيام دولة فلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية يظل شرطاً لأي مسار تطبيع، فيما كرر مسؤولون سعوديون سابقون، مثل الأمير تركي الفيصل، أن إسرائيل لن تُعامل كـ«دولة طبيعية» ما لم تلتزم بالقانون الدولي وتُنهي احتلالها للأراضي الفلسطينية. ضمن هذا السياق، تبدو أي إشارة رمزية لوجود حاخام «رسمي» في المملكة أو «جالية يهودية منظمة» مادة قابلة للاستغلال في السجالات الداخلية والإقليمية، وهو ما قد يدفع الجهات السعودية إلى التشدد في إدارة هذا الملف.
من جهة أخرى، يسلّط منع هرتسوغ الضوء على تعقيدات وضع الزائرين من أصول أو جنسيات مزدوجة في دول لا تقيم علاقات مع إسرائيل. فالرجل، وفق روايته الذاتية، استفاد طوال سنوات من حمله جواز سفر أميركياً للدخول إلى السعودية في حين يستمر الحظر الرسمي على حملة الجواز الإسرائيلي. هذا الهامش الرمادي سمح بنمو تعاون اقتصادي وسياحي غير معلن بين رجال أعمال ومسؤولين من الجانبين، لكنّه يظل هشاً وعرضة للتقليص عند أي توتر سياسي أو أمني. قرار السلطات بمنعه من الدخول، وإن صيغ إدارياً في إطار الصلاحيات السيادية في منح ورفض التأشيرات، يبعث برسالة مفادها أن هذه «المناطق الرمادية» يمكن أن تُغلق في أي لحظة.
مع ذلك، يحاول هرتسوغ في تصريحاته تجنّب التصعيد. فقد كتب أنه «واثق من عدالة المؤسسات السعودية» وأنه يرى في ما جرى ربما نتيجة «سوء فهم» أو ضغط من «جهات تعرقل مسار الانفتاح». مثل هذه اللغة توازن بين الدفاع عن حقه الشخصي في الحركة وبين حرصه على عدم حرق الجسور مع السلطات التي سمحت له، ولو ضمنياً، بالنشاط داخل المملكة في السنوات الماضية. لكنه في الوقت ذاته يذكّر بوجود «مجتمع صغير» من اليهود في السعودية يشعر بأن خدماته الدينية ضرورية له، ما يضفي بعداً إنسانياً على القضية يتجاوز حسابات التطبيع الكبرى.
حقوقياً، يثير الملف أسئلة عن مدى انسجام الواقع السعودي مع الخطاب الرسمي حول «التسامح الديني» و«الحوار بين الأديان». فحرية ممارسة الشعائر لغير المسلمين داخل المجمعات السكنية الخاصة أو السفارات غالباً ما تُترك لسياسات الأمر الواقع، من دون إطار قانوني واضح يعطي ضمانات صريحة. هذا الغموض يتيح للسلطات هامشاً واسعاً في ضبط المظاهر الدينية بما يتوافق مع التوازن الداخلي، لكنه يجعل أي مبادرة فردية، مثل مبادرة هرتسوغ، رهينة المزاج السياسي والأمني وتبدّل الأولويات.




