وفقاً لحوار أجرته الصحافية صوفي دافاريس ونُشر في صحيفة 24 heures بتاريخ 31 ديسمبر 2025، يرى عالم السياسة جان‑فرانسوا بايار، أستاذاً في معهد الدراسات الدولية والتنمية (IHEID)، أن عودة الديني إلى الواجهة لا تعني بالضرورة تصاعداً في التدين الفردي. ويعتبر أن تكاثر الإشارات الروحية يعمل بالأساس كأداة للسلطة وللنزعات القومية. ويؤكد بايار أن إظهار الرموز الدينية يظل منسجماً مع العلمنة والالتزام بالعلم وحرية السلوك، مشيراً إلى وجود حركات للمثليين والمثليات وثنائيي الميل والمتحولين داخل الأوساط المسلمة والكاثوليكية. كما يدعو إلى الحذر في قراءة استطلاعات الرأي، ويصف دراسة IFOP حول مسلمي فرنسا بأنها مثار انتقاد ولا تثبت تديناً أعلى من سواه لدى أتباع ديانات أخرى.
وبحسب بايار، فإن الممارسات المرتبطة بالدين متباينة: فالحج إلى لورد أو مكة يقوم على الإيمان، لكنه قد يلبي أيضاً اعتبارات تميّز اجتماعي، أو انتماء سياسي، أو سعي إلى تحرّر، أو سياحة، أو بناء شبكات اجتماعية. ويضيف أن التمردات كثيراً ما تتداخل مع رهانات مادية؛ ففي غرب إفريقيا مثلاً، يتقاطع «الجهاد» مع صراعات على الأرض وموارد المياه.
ويضع هذا المسار ضمن تاريخ طويل شهد خلال القرن التاسع عشر، رغم التصنيع والوضعية والعلموية، توسعاً دينياً ومأسسة متزايدة للتقاليد، من الكنائس الغربية إلى تشكّل المؤسسة الشيعية في إيران وتبلور الهندوسية في جنوب آسيا.
أما اليوم، فيحدد ثلاثة محركات أساسية: تعثر الأيديولوجيات السياسية الكبرى بما يترك «عرضاً دينياً» لمن يبتغي التغيير؛ وآثار الوصم، حيث تعزز رهاب الإسلام أو تصور تصاعد معاداة السامية منسوب الانتماء؛ وهيمنة النيوليبرالية التي تفاقم اللامساواة وتفكك النسيج الاجتماعي وتحوّل المسألة الاجتماعية إلى هويات سياسية تُصاغ غالباً بمفردات دينية.
ويربط بايار مركزية الدين الراهنة بالانتقال من منطق الإمبراطوريات إلى منطق الدولة‑الأمة، حيث فُرضت تعريفات إثنية‑دينية للمواطنة. ويرى في هذا التحول مصدراً لخطوط التصدع في الشرق الأوسط ومنطلقاً لسياسات هيمنة قادت، من بين أمور أخرى، إلى إبادة الأرمن وتهجير السكان اليونانيين في تركيا.
ويعتبر أن هذه المقاربة تنطبق على روسيا حيث تُنصَّب الأرثوذكسية معياراً، وعلى الهند حيث يُقصى المسلمون إلى الهامش، وكذلك على ميانمار وماليزيا حيث يشكّل كل من البوذية والإسلام أساس المواطنة على حساب الأقليات. كما يشير إلى إسرائيل، حيث يمنح «القانون الأساسي» لعام 2018 أولوية لليهود وتؤسس، في رأيه، لمسارات إقصاء.
وفي أوروبا، يرصد فجوة بين خطاب سياسي يزداد توظيفاً للدين وممارسات دينية في تراجع. وتبدو له فرنسا «منزوعة المسيحية» إلى حد بعيد، فيما يُبقي بعض القادة القوميين الدين على مسافة. وفي إيطاليا، يصطدم «المسيحية الهوياتية» التي تتبنّاها جورجا ميلوني بمواقف الكنيسة الكاثوليكية. أما في بولندا، فبرغم العلمنة والفضائح، تظل الهوية الكاثوليكية أداة تعبئة انتخابية.
أما العلمانية، فتصوغها السياقات: في فرنسا تشبه «ديناً وطنياً» بنُظم سلوكية ضمنية، علماً أن قانون 1905 أجاز التعبير العلني عن الإيمان؛ وفي جنيف أتاح قانون 1907 حماية الأغلبية البروتستانتية من تجاوزات أقلية ومنح فصلاً محرِّراً؛ وفي ألبانيا والبوسنة، وهما بلدان أغلبيتهما مسلمة، ترسخت مواطنة علمانية؛ وفي تركيا، يضبط الدولة الدين ويخضعه لها أكثر مما يفصل بينهما.
ويرى بايار أن الثيوقراطيات نادرة ويذكر خصوصاً التبت. وتبدو له السعودية نظاماً سلالياً تُمسك به سلالة دينية، فيما تعترف إيران، منذ 1988، بأولوية «منطق الدولة» على العقيدة. وبرأيه، فإن فرض الحجاب وقمع رافضيه قرار ذو كلفة سياسية قبل أن يكون دينياً، ويتصل بخطاب يتزايد طابعه القومي، مع نفوذ ديني متراجع خارج القضاء.
ويرفض نظرية «صدام الحضارات» معتبراً أنها لا تصمد أمام الوقائع: فالعنف المسلَّم بصفته «إسلامياً» يمزق أولاً مجتمعات أكثرها مسلم قبل أن يصل إلى الغرب؛ ولا يشكل «الإسلام» ولا «العالم الصيني» كتلاً حضارية متجانسة؛ كما أن حرب أوكرانيا تدور بين بلدين أرثوذكسيين. ويؤكد أن النصوص الدينية تُفهم عبر طرائق تلقيها، وأن للجهاد دلالات متعددة تمتد من الدفاع والإصلاح إلى «الجهاد الأكبر» بوصفه صراعاً داخلياً مع الذات.
وفي الولايات المتحدة، يقرأ بايار التعبئة الإنجيلية بوصفها قومية مسيحية يغذيها إرث هزيمة الجنوب وأحيتها نهاية الفصل العنصري. ويرى في دونالد ترامب عرضاً لجرحٍ ذاكراتي، ويربط تساهل قاعدته معه بأجندة تُسخِّر «قيمًا مسيحية» لتجريم الإجهاض وصناعة أعداء داخليين، مع انزياحات عنصرية ومعادية لليهود في بعض تيارات MAGA.
وعلى الصعيد العالمي، يصِف ثورةً محافظةً تتخذ من الدين مركبةً أساسية، مع التشديد على أن الحسابات السياسية تتغلب على الديناميات الدينية. وبهذه القراءة، يتموضع الديني داخل استراتيجيات السلطة وإعادة صوغ الهويات الوطنية وخطابات الأمن، فيما تميل الممارسات الدينية ذاتها إلى الانحسار.
المصدر : حوار أجرته صوفي دافاريس مع جان‑فرانسوا بايار، منشور في صحيفة 24 heures بتاريخ 31/12/2025.


