تُبيّن دراسة الباحثة المغربية نادية العلية، المنشورة في العدد 75 لسنة 2025 من مجلة «سياسات عربية»، أن استخدامات الشباب المغربي لوسائل التواصل الاجتماعي في المجال الديني أصبحت عاملاً حاسماً في إعادة تشكيل سلطة التدين في الفضاء الرقمي. وتنطلق الدراسة من سؤال يتعلق بطبيعة هذه الاستخدامات الدينية لعوالم السوشيال ميديا، وكيف تسهم في بروز أنماط جديدة من المرجعية الدينية تتجاوز الأطر التقليدية الرسمية وغير الرسمية
تُشير الباحثة إلى أن الشباب لا يتلقّون التكنولوجيا باعتبارها معطى جاهزاً فحسب، بل يعيدون توظيفها بما يخدم حاجاتهم المعرفية والروحية، من خلال تحويل المنصات الرقمية إلى فضاءات للبحث عن الفتوى والموعظة، ومتابعة الدروس والمحاضرات، وتقاسم الآيات والأحاديث والنقاشات ذات الصلة بالشأن الديني العام. ويظهر من خلال تحليل المعطيات أن فئة واسعة من المستجوَبين تعي أهدافها من الاستخدام الديني للشبكات الاجتماعية، وتتعامل مع هذه المنصات باعتبارها أدوات يمكن التحكم فيها وتكييفها بدل الاكتفاء بالاستهلاك السلبي للمحتوى.
وتعتمد الدراسة على استبيان إلكتروني استهدف عينة من الشباب المغربي، رافقه اختيار أحد أبرز المؤثرين الدينيين على موقع فيسبوك وتحليل مضمون صفحته الرسمية لرصد ملامح الخطاب وطبيعة التفاعل معه. ومن خلال هذا التحليل يتضح أن المؤثر الديني الرقمي يستثمر لغة مبسطة وقريبة من اليومي، ويستعين بأدوات المنصة مثل البث المباشر والتفاعل الفوري، إلى جانب الحضور المكثف للمنشورات ذات الطابع الوعظي والتربوي.
وتخلص الدراسة إلى أن صعود المؤثر الديني على شبكات التواصل يشبه، في جوانب عديدة، مسار صعود المؤثر التجاري أو التسويقي، حيث تصبح جماهير المتابعين، وعدد التفاعلات، ووتيرة الحضور الرقمي عناصر أساسية في بناء المكانة والشرعية. ووفقاً لهذا التصور، لم تعد السلطة الدينية حبيسة المؤسسة الرسمية أو الشيخ التقليدي، بل تحوّلت إلى سلطة تفاوضية موزعة بين فاعلين متعددين، بينهم الداعية الرقمي، والواعظ التلفزي، والخطيب، والحسابات الدينية الفردية والجماعية.
وتلفت الباحثة الانتباه إلى أن الاستخدام الديني للشبكات لا يقتصر على البعد المعرفي المتعلق بفهم النصوص أو تعلّم الشعائر، بل يشمل كذلك أبعاداً اجتماعية وهوياتية، من خلال بناء دوائر رقمية تعزّز الإحساس بالانتماء إلى جماعات مرجعية، وتمنح الشباب فضاء عاماً للتعبير عن قناعاتهم واختياراتهم الدينية. كما يتيح هذا الفضاء إمكان التفاوض المستمر حول مضامين الخطاب الديني، عبر التعليقات والمشاركات وإعادة النشر، بما يفتح الباب أمام إعادة تأويل أو مساءلة بعض التمثلات السائدة.
ووفق النتائج التي توصلت إليها الدراسة، فإن الوسيط الرقمي لم يعد مجرد قناة إضافية لنقل الخطاب الديني التقليدي، بل تحول إلى بيئة مستقلة نسبياً لها منطقها الخاص في إنتاج الرموز والمعاني، وتوزيع الاعتراف والشرعية على الفاعلين الدينيين. وتُبرز الباحثة أن هذا التحول نحو «لامركزية» السلطة الدينية يفرض على المؤسسات الدينية الرسمية، والفاعلين التقليديين في الحقل الديني المغربي، إعادة النظر في استراتيجياتهم التواصلية إذا أرادوا الحفاظ على حضور مؤثر وسط جمهور شاب يعيش جزءاً كبيراً من تجربته الدينية داخل الفضاء الرقمي.
وبناء على ذلك، ترى الدراسة أن فهم ممارسات التدين عبر وسائل التواصل الاجتماعي بات ضرورياً لأي محاولة جادة لتحليل تحولات الحقل الديني في المغرب، سواء من زاوية تشكل المرجعيات أو من زاوية أنماط التديّن اليومي لدى الأجيال الصاعدة. وتشدد الباحثة على أن صعود المؤثر الديني الرقمي لا يمكن قراءته فقط كتهديد للمنظومات التقليدية، بل أيضاً كفرصة لتجديد الخطاب الديني وفتح قنوات تواصل أكثر قرباً من أسئلة وهموم الشباب، مع ما يتطلبه ذلك من نقاش عمومي حول الضوابط والمعايير الناظمة لهذه السلطة الجديدة.
المصدر: دراسة نادية العلية حول «الاستخدامات الدينية لوسائل التواصل الاجتماعي وإعادة تعريف السلطة الدينية في المغرب»، المنشورة في مجلة «سياسات عربية»، العدد 75 لسنة 2025.


