حريق كنيسة فونديلكيرك في قلب أمستردام: صدمة دينية وعمرانية خلال الاحتفال

أضيف بتاريخ 01/02/2026
دار سُبْحة

بينما كانت أمستردام تستقبل العام الجديد بالألعاب النارية واحتفالات الشوارع، تحولت السماء فوق حي فونديلبارك إلى كتلة من الدخان الكثيف والنيران التي التهمت واحدة من أقدم كنائس المدينة وأكثرها رمزية، فونديلكيرك. صُوّر المشهد مباشرة ونُشر على نطاق واسع عبر الشبكات الاجتماعية. خلال أقل من ساعتين من اندلاع الحريق بعد منتصف الليل، انهار برج الكنيسة التاريخية التي يتجاوز عمرها 150 عاماً، وتساقطت أجزاء من السقف والهيكل الخشبي القديم. لاحقاً، أعلنت السلطات أن المبنى "لم يعد قابلاً للإنقاذ" وأن الكنيسة فقدت عملياً ملامحها المعمارية التي شكلت أفق العاصمة الهولندية لأكثر من قرن.



خدمات الطوارئ الهولندية رفعت سريعاً مستوى التأهب إلى درجة كارثة إقليمية. ثم أصدرت السلطات إنذاراً عبر خدمة NL-Alert لسكان المنطقة تدعوهم إلى إغلاق النوافذ والأبواب ووقف أنظمة التهوية بسبب كثافة الدخان وخطر تطاير الشرر الخشبي المشتعل نحو الأحياء السكنية المجاورة. كما تم إخلاء عشرات المنازل المحيطة وإغلاق الشوارع المؤدية إلى الكنيسة، بينما شاركت فرق إطفاء من خارج أمستردام في محاولة منع تمدد النيران إلى مبانٍ مجاورة في منطقة مكتظة وقريبة من أحد أشهر المتنزهات في البلاد. ورغم ضخامة الحريق وانهيار البرج، لم تُسجَّل إصابات بشرية وفق البيانات الأولية، وهو ما اعتبرته السلطات "عاملاً مطمئناً" في ليلة وُصفت بالكارثية على المستوى المعماري والرمزي.


فونديلكيرك ليست مجرد مبنى ديني؛ فقد شُيدت في القرن التاسع عشر ككنيسة كاثوليكية، ثم تحولت منذ السبعينيات إلى فضاء متعدد الاستخدامات. يحتضن مناسبات ثقافية وفعاليات مجتمعية ومكاتب صغيرة، ما جعلها حاضرة في الحياة اليومية لسكان أمستردام بعيداً عن طابعها العبادي الأصلي. انهيار برجها الليلي أمام عدسات الهواتف الذكية منح الحريق بعداً إضافياً. حيث انتشرت مقاطع الفيديو التي تُظهر سقوط القمة المعمارية للكنيسة داخل الهيكل، متسببة في انتشار أوسع للنيران في الأجزاء الخشبية القديمة، وسط تعليقات غاضبة وحزينة على ضياع "قطعة من ذاكرة المدينة".


تشير المعطيات الأولية إلى أن التحقيق في أسباب الحريق لا يزال مفتوحاً. لكن سياق الحادث – وقوعه مباشرة بعد احتفالات رأس السنة واستخدام كثيف للألعاب النارية – دفع بعض التقارير إلى الحديث عن الاشتباه في أن شرارة من المفرقعات أو سلوكيات شباب خلال الاحتفالات قد تكون وراء اندلاع النيران في الجزء العلوي من البرج. في الوقت نفسه، غياب تأكيد رسمي نهائي وطرح فرضية "حريق متعمد" في بعض الأوساط والمتابعات الرقمية يعكسان حساسية الوضع، خصوصاً في ظل سوابق اعتداءات وحرائق استهدفت كنائس في أوروبا خلال السنوات الأخيرة. وإن كان ربط هذه الواقعة تحديداً بموجة ممنهجة ضد الكنائس يحتاج إلى حذر وانتظار نتائج التحقيق الجنائي.


على المستوى الأوسع، يفتح هذا الحريق النقاش مجدداً حول هشاشة التراث الديني–المعماري الأوروبي في مواجهة مزيج من عوامل الخطورة. تشمل هذه العوامل: قدم البنايات، اعتمادها الكبير على الخشب، التغيرات المناخية التي تزيد من مخاطر الحرائق، وسلوكيات الاحتفال بالألعاب النارية في مناسبات مثل رأس السنة. فونديلكيرك تلتحق بذلك بقائمة طويلة من الكنائس الأوروبية التي التهمتها النيران خلال العقد الأخير، من نوتردام في باريس إلى كنائس أصغر في مدن مختلفة. هذا ما يغذي الدعوات إلى تشديد قواعد السلامة حول المباني التاريخية وإعادة التفكير في شكل الاحتفالات الجماهيرية بالقرب من مواقع التراث الديني. في أمستردام، لن يكون الجدل فقط حول سبب الحريق، بل أيضاً حول كيف سمح النظام العمراني والاحتفالي بسقوط معلم بهذا الوزن في ليلة كان يُفترض أن تكون بداية عام جديد أكثر هدوءاً.