في أوكرانيا، لم تعد الحرب مع روسيا مجرد مواجهة عسكرية على الجبهات. بل امتدت إلى الفضاء الديني داخل الكنائس والأديرة وضمائر المؤمنين. فمنذ عام 2018، يسعى الأوكرانيون إلى فك الارتباط مع بطريركية موسكو عبر بناء كنيسة أرثوذكسية أوكرانية مستقلة. في خطوة أحدثت تغييرًا تاريخيًا في العالم الأرثوذكسي وأعطت بعدًا روحيًا إضافيًا لمعركة الاستقلال والسيادة الوطنية. هذا الانفصال الكنسي تكرّس أكثر مع الغزو الروسي. ليصبح الانتماء الكنسي، بالنسبة لكثير من الأوكرانيين، خيارًا سياسيًا وهوياتيًا بامتياز.
في غشت 2024، خطت كييف خطوة حاسمة بتبنّي قانون يتيح حظر نشاط أي منظمة دينية مرتبطة بمؤسسات دولة “معتدية”، في إشارة مباشرة إلى الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية التابعة لبطريركية موسكو. يمنح هذا القانون السلطات حق التحقق من وجود روابط تنظيمية أو إدارية مع الكنيسة الروسية، وفي حال ثبوتها يُمنح التجمع الديني مهلة لقطع تلك الصلة أو مواجهة خطر الحظر القضائي. تؤكد السلطات الأوكرانية أن الهدف ليس ضرب المسيحية أو الأرثوذكسية في حد ذاتها، بل إنهاء ما تعتبره ذراعًا دينيًا للأجهزة الأمنية والعسكرية الروسية يعمل داخل البلاد، ويروّج لفكرة “العالم الروسي” ويقوّض السيادة الأوكرانية تحت غطاء الدين.
هذه المعركة بأوضح صورها على مستوى القواعد في قرى مثل بوبرىك قرب كييف، التي عاشت تحت الاحتلال الروسي لأسابيع في ربيع 2022. هناك، ما زالت آثار القصف ظاهرة على جدران الكنيسة التي أصيبت بقذيفتين، لكن التحول الأعمق كان داخل الجماعة نفسها. إذ قررت الرعية بعد الغزو الانفصال عن الكنيسة الخاضعة لموسكو والانضمام إلى الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية المستقلة. الكاهن الذي قاد هذه الخطوة تلقى تهديدات من رؤسائه السابقين بعد أن دعا علنًا إلى الانتقال، فيما أدرك كثير من الأهالي، خاصة من عايشوا الاحتلال، أن البقاء تحت سلطة دينية تنتظر “المحررين” الروس لم يعد مقبولًا. بالنسبة لهؤلاء، أصبح الاختيار بين كنيسة وأخرى تعبيرًا عن اختيار بين الانتماء إلى أوكرانيا أو الخضوع لظل نفوذ روسي مقنّع.
هذا الانقسام داخل الأرثوذكسية الأوكرانية سرعان ما اكتسب بعدًا دوليًا. فبطريركية القسطنطينية المسكونية، صاحبة الثقل التاريخي في العالم الأرثوذكسي، اعترفت باستقلال الكنيسة الأوكرانية، ما أدى إلى قطيعة مع موسكو وعمّق حالة الانشطار داخل الأسرة الأرثوذكسية. في المقابل، اختارت كنائس قومية أخرى، مثل الكنائس الصربية والبلغارية والرومانية، موقف الحذر وعدم الانحياز العلني، إدراكًا لخطورة أن يتحول الخلاف الكنسي إلى اصطفاف جيوسياسي مباشر بين معسكرين في أوروبا الشرقية.
لكن تسييس الأرثوذكسية لا يقتصر على أوكرانيا وحدها. فبحسب ما يشرحه جان أرنو ديرينس في كتابه جيوسياسة الأرثوذكسية: من بيزنطة إلى الحرب في أوكرانيا، عاشت معظم الكنائس الأرثوذكسية القرن العشرين تحت أنظمة شيوعية. ثم حاولت بعد انهيارها في التسعينيات استعادة نفوذ اجتماعي وسياسي واسع، مستندة إلى نموذج مثالي مفترض للعلاقة بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية، وهو نموذج أقرب إلى الأسطورة منه إلى الواقع التاريخي. في هذا السياق، نسجت بعض الكنائس، وعلى رأسها الكنيسة الروسية، علاقات وثيقة مع السلطة السياسية، مقابل الحصول على ممتلكات واسعة وحضور إعلامي واجتماعي قوي. ما جعلها في نظر منتقديها شريكًا في السلطة أكثر منها قوة روحية مستقلة.
ضمن هذا المشهد ما بعد الشيوعي، اتجهت شرائح واسعة داخل الأرثوذكسية إلى تبنّي خطاب شديد المحافظة. ففي روسيا وجورجيا مثلًا، قدّمت بعض المؤسسات الكنسية نفسها كحامية للقيم “التقليدية” في مواجهة الليبرالية الغربية، ووجدت في ذلك أرضية مشتركة مع تيارات إنجيلية أميركية محافظة حول ملفات مثل مواجهة ما يُسمى بـ“أيديولوجية الـLGBT”. هذا التركيز على قضايا أخلاقية بعينها يُعد تطورًا حديثًا نسبيًا في خطاب الكنائس الأرثوذكسية، ولا يحظى بإجماع داخلها، إذ تتخذ بطريركيات تاريخية كالقسطنطينية والإسكندرية والقدس مواقف أكثر توازنًا، بينما تتصرف كنائس أخرى بمنطق “اللحاق بموسكو” دون تبني كامل لأجندتها.
في خضم هذه التحولات، يجد كثير من الكهنة أنفسهم اليوم ممزقين بين إرث الخدمة في دول اشتراكية سابقة، ومتطلبات الدور التقليدي لرجل الدين، وضغوط عالم رقمي باتت فيه المنابر الافتراضية على المنصات الاجتماعية أحيانًا أهم من الوعظ داخل الكنيسة. أمام هذا الواقع، يتحول التشدد الديني أحيانًا إلى ملاذ هويّاتي وإلى أداة تعبئة سياسية في آن واحد، بما يرتّب آثارًا مباشرة على المجتمعات. في الحالة الأوكرانية، تفسّر هذه الخلفية لماذا يرى جزء من الرأي العام أن حظر المنظمات المرتبطة بموسكو ضرورة دفاعية لحماية الأمن القومي، بينما تعتبره منظمات حقوقية تهديدًا لمبدأ حرية المعتقد.
ما وراء الجدل اللاهوتي والنزاعات على المرجعية الكنسية، يبرز رهان مزدوج. تسعى أوكرانيا إلى تكريس “استقلال روحي” يواكب استقلالها السياسي، فيما يواجه العالم الأرثوذكسي سؤالًا صعبًا حول قدرته على التحرر من إرث التماهي مع السلطة الزمنية والاصطفافات الجيوسياسية. وبين قرية تغيّر انتماءها الكنسي، وقانون يُعتمد في البرلمان، وقرار يصدر عن بطريركية هنا أو هناك، تُعاد رسم خريطة النفوذ الديني والسياسي في أوروبا الشرقية. في معركة هادئة في ظاهرها، لكنها حاسمة في عمقها على مستقبل المنطقة.


