راشد الغنوشي بين الحرية والمرجعية: ماذا لو حكم الإسلاميون تونس؟

أضيف بتاريخ 01/05/2026
دار سُبْحة

صدرت هذه المادة أول مرة في مجلة Jeune Afrique عام 1990، وهي تستعيد أبرز محاور حوار مطوّل مع زعيم التيار الإسلامي التونسي آنذاك، راشد الغنوشي، الذي ترأس لاحقًا حركة النهضة وبلغ رئاسة البرلمان التونسي قبل توقيفه في أبريل 2023. 



ينطلق الغنوشي من فكرة أن أي انتقال إلى الحكم يبدأ بإجراءات سياسية تعيد ضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع. أولويته المعلنة كانت عفوًا عامًا ومراجعة كل التشريعات التي يرى أنها تقيد الحريات الفردية والجماعية. هذا التصور يقدمه باعتباره مدخلًا لإعادة بناء الثقة وليس مجرد تنازل حقوقي، وهو ما يضع خطاب الإسلاميين في تونس، كما يفهمه، ضمن نقاش سياسات عمومية لا ضمن صراع هوية مجرد.

في القضايا الاجتماعية الحساسة، يتبنى الغنوشي مقاربة تدريجية. في ملف الكحول، لا يضع الإغلاق القسري للحانات ضمن الأولويات، ويراهن على تحوّل الطلب أكثر من التعويل على المنع الإداري، مستحضرًا تعقيدات التجربة الأمريكية في زمن الحظر. يؤكد أن الدولة ذات المرجعية الإسلامية لن تشجع استهلاك الكحول بين المسلمين، بينما يسمح لغير المسلمين بالاستهلاك في المطاعم والحانات مع تجريم السكر العلني. ويشير إلى أن معالجة الظاهرة تتم عبر الأسباب لا عبر الأعراض، في إشارة إلى مقاربة براغماتية لا عقابية.

في موضوع الشاطئ واللباس، يستدعي الغنوشي تاريخًا من التعدد والتسامح في المجال الإسلامي، لكنه يرفض تحويل التسامح إلى قبول بما يصفه اعتداءً على كرامة المجتمع. يقترح تنظيمًا يأخذ بقيم السكان مع الحفاظ على الانفتاح السياحي، بما في ذلك حلول عملية مثل تخصيص فضاءات معينة للسياح. وفي المقابل، يشجّع الحجاب باعتباره تعبيرًا من تعابير المجتمع المسلم، ويضع الميني جيب ضمن دائرة المنع إذا فشلت الوسائل التربوية في تغيير الذوق العام، مع التذكير بأن قانون خدش الحياء قائم ويُطبّق على النساء والرجال على حد سواء. هذه الإجابات تكشف ثنائية ثابتة في خطابه: الاعتراف بالتنوع الاجتماعي مع أولوية معيار أخلاقي يعرّفه بوصفه “النظام الإسلامي”.

في قضايا الأسرة، يحافظ الغنوشي على مسافة واضحة من الدعوات إلى التراجع عن مكتسبات قانونية سابقة. لا يرى تعارضًا عامًا بين إصلاحات مجلة الأحوال الشخصية في عهد الحبيب بورقيبة ومقاصد الشريعة، ويعلن عدم النية في إعادة العمل بتعدد الزوجات. شخصيًا، يقدّم خيار الاكتفاء بزوجة واحدة كقناعة ذاتية ودافعية وجدانية، ثم يضيف بعدًا واقعيًا يتعلق بصعوبات السكن والإنفاق في واقع اجتماعي ضاغط. في التخطيط العائلي، يفضّل ترك الأمر لتطور الأعراف لا للتشريعات القسرية، ويعتبر أن ترشيد الإنجاب شأن عائلي، بما في ذلك استخدام وسائل منع الحمل، مقابل التشديد على أن التحدي الأكبر يكمن في تنمية الموارد وتوزيعها العادل لا في عدد السكان فحسب.

يمتد النقاش إلى المدرسة والعلاقات بين الجنسين. يرفض الغنوشي سرديات العزل، ويرى في التعليم المختلط وضعًا طبيعيًا يحتاج إلى تأطير أخلاقي لا إلى قطيعة اجتماعية. هنا، يعيد ترتيب الأولويات بين “القيمة الأخلاقية” و”الغريزة الطبيعية”، معتبرًا أن المجتمعات الغربية منحت الأفضلية للغريزة على حساب المعايير، ما أنتج في نظره هشاشة أسرية تتجلى في ارتفاع معدلات الطلاق وقلة الإنجاب وعزلة كبار السن. في المقابل، يقدّم النموذج الذي يدافع عنه باعتباره يكيّف الغرائز ولا يتركها تقود المجال العام. هذا الطرح يثير اعتراضات معروفة حول الكلفة النفسية والاجتماعية للانضباط الصارم، لكنه يرد عليها باعتبار “التوتر الأخلاقي” محرّكًا للرغبة والحياة لا عائقًا لها.

لا يكتمل الحديث من دون موقع المرأة في هذا النسق. يصر الغنوشي على أن حضورها حاسم في أي مشروع مجتمعي، ويستشهد بتراث ديني يضع العلاقة مع المرأة ضمن مثلث قيم يتجاور فيه الجمال والروحانية والعبادة. يرفض وصف الأزمة بأنها “مشكلة الإسلام مع النساء”، ويعيد تعريفها باعتبارها أزمة مجتمعات “هجينة” تتأرجح بين تمثلات غربية ومحلية من دون حسم معرفي أو مؤسسي. من هنا تأتي انتقاداته لنماذج “إسلامية” قائمة مثل السعودية وإيران، إذ لا يراها مرجعًا نهائيًا، كما ينتقد في الوقت نفسه نزعة “محاكاة الغرب” بوصفها تعبيرًا عن علاقة غير متكافئة أضعفت القدرة على التمييز والانتقاء.

مع ذلك، لا يرفض الغنوشي الحداثة كمجموعة أدوات ونظم. يميّز بين منظومة قيم مادية يعتبرها مهيمنة في الغرب وبين إنجازات مؤسسية وعلمية وإدارية يراها قابلة للتوطين، من روح البحث والتنظيم والكفاءة إلى نظام الحريات. إدماج هذه العناصر، بحسب تصوره، يتطلب معالجة أمراض داخلية متراكمة مثل الجبرية والذهنيات التقليدية واللافعالية واستبداد السلطة وغياب المؤسسات الديمقراطية ولا مساواة النوع الاجتماعي؛ وكلها يشدد على أنها لا تنتمي إلى جوهر الإسلام.

تاريخيًا، يفسر الغنوشي خلل العلاقة مع الغرب بأن العالم الإسلامي دخلها من موقع ضعف مادي ونفسي، فمال إلى الاستنساخ بدل الاستثمار الانتقائي. يقدّم أمثلة على إمكان الجمع بين الخصوصية والحداثة، من اليابان التي حفظت تراثها فيما انخرطت في التطور، إلى إحياء العبرية في إسرائيل وصناعة سردية تاريخية ممتدة. ويستعيد ذاكرة أوروبا حين نهلت من حضارة المسلمين من دون التخلي عن ذاتها. الرسالة الأساسية التي يحملها هذا الإطار أن الطريق إلى الحداثة لا يمر حصرًا عبر “ديكارت” أو “ماركس”، بل عبر مسار مخصوص تصوغه المرجعية الدينية والسياق التاريخي والثقافي للمجتمع.