إيران ليست مرجع الشيعة: رؤية شمس الدين

أضيف بتاريخ 01/11/2026
دار سُبْحة

يرسم الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، رؤية سياسية وفقهية صريحة حول موقع إيران داخل عالم التشيع وعلاقة الشيعة بأوطانهم. في حوار غير معلن يعود إلى عام 1997 ونشرته صحيفة «الشرق الأوسط» ضمن وثيقة مطوّلة بمناسبة مرور 25 عاماً على رحيله، يؤكد شمس الدين أن إيران ليست «فاتيكان الشيعة»، وليست مرجعاً سياسياً أو دينياً للشيعة خارجها؛ فهي دولة ذات مصالح قومية وإقليمية، جزء من الأمة الإسلامية وجزء من عالم التشيع، لا مظلة تُستتبعها بقية المكوّنات الشيعية. ويشدّد على أن الشيعة في لبنان ومصر والكويت وتركيا وأذربيجان وشبه القارة الهندية ينتمون إلى دولهم ومجتمعاتهم ونظم مصالحها، وأن اندماجهم الكامل في الاجتماع الوطني هو طريق الكرامة والحماية والقانون، لا الانجرار إلى مشاريع خاصة أو اصطفافات عابرة للحدود.



الشيخ محمد مهدي شمس الدين (غيتي)


 

ينطلق شمس الدين من قاعدة فقهية وسياسية يسمّيها «المهادنة داخل الأمة»، أي خفض الاحتكاك بين الأنظمة والقوى الاجتماعية والتيارات الإسلامية والقومية واليسارية، لوقف الهدر وبناء الذات. يرفض اشتراط «النقاوة الداخلية» في العمل العام، ويذكّر بأن المجتمع يُدار بمشروع يخدم المصلحة العامة، لا بمنطق التبرّي والتولّي مع الدول والجماعات بما يقود إلى عزلة دامية. من هذا المنطلق ينفي أن ترسم إيران «مسار الشيعة» أو تمثل مظلتهم الروحية والسياسية؛ حتى حين يقلّد بعض الشيعة مرجعاً إيرانياً، يبقى الالتزام محصوراً بآراء ذلك المرجع دون إلزام لسائر الشيعة.

في قراءته لتاريخ الدور الإيراني، يميّز شمس الدين بين خطاب الشاه الإمبراطوري بعدّه «حامي الشيعة»، وبين الجمهورية الإسلامية التي سعت إلى تطبيق الشريعة وحققت نجاحات جزئية، لكنه يضع موقعها في خانة الدولة ذات المصالح المحددة، المستهدفة سياسياً وكدولة، والتي تستحق المساندة حين تتعرض لظلم، بشرط ألا تتعارض تلك المساندة مع المصلحة الوطنية اللبنانية وفي إطار التضامن الإسلامي العام. ويقول بوضوح: «إيران ليست مرجعيتي الدينية ولا السياسية، وفي الوقت نفسه أرى من واجبي مساندتها في حدود الإمكان»، رافضاً تحويلها إلى قطب استتباع للشيعة العرب أو غير العرب.

يمضي شمس الدين أبعد من توصيف العلاقة مع إيران ليحدّد خطاً أحمر: «لا مشروع شيعياً خاصاً» داخل الأوطان أو على مستوى الأمة العربية؛ فهذه المشاريع تُنتج مذابح واصطدامات مع أنظمة المصالح الحاكمة للدول، وتحوّل الشيعة إلى أدوات في صراعات لا تخدم كرامتهم ولا مصالحهم. ويستشهد بروايات ووثائق تراثية ليؤكد أن التشيع تيار فقهي داخل الإسلام، وأن القضية هي قضية إسلام لا «قضية شيعية». لذلك يدعو إلى إدارة شؤون الشيعة عبر الاندماج والعمل بالحسنى، لا عبر مقاومات منفصلة أو تهديدات لأنظمة المصالح القائمة.

بلهجة صريحة يربط الشيخ التجارب المريرة في لبنان وأفغانستان بأخطاء ذاتية وأخرى إيرانية، ويدعو لوضع حدّ لاستتباع الجماعات والاصطفاف الزعاماتي. ويقرّ بأن السياسة هي وسيلته للدفاع، لا الارتزاق ولا التقليد، ويرفض خطاب طلب الشهادة والندب بوصفه رؤية «التوابين» التي لا تنفع أحياءً ولا أمواتاً، داعياً إلى تعقّل المقاصد وتهدئة الدنيا لا إثارتها. على الضفة العملية، يقترح إدخال إيران في نظام المصالح الإقليمي عبر السوق، ويعيد التذكير بأن مشروع الأمة الإسلامية سابق على الثورة الإيرانية، وأن الشيعة جزء فيه إلى جانب الجزائري والسوداني والمصري والهندي، لا ملحقون بدولة بعينها.

في قلب هذه الرؤية تتكرر مفردات الانتماء والكرامة والقانون والمصلحة الوطنية؛ الشيعة خُمس الأمة، ومهمة القيادات والفقهاء أن يخلقوا حالة صداقة بينهم وبين مجتمعاتهم بعيداً عن أي مذهبية سياسية. هكذا يصف شمس الدين طريق الشيعة إلى حماية الذات: الاندماج الكامل في دولهم، قطع الطريق على المشاريع الخاصة والارتهان الخارجي، وتثبيت أن المرجعية الدينية تُختار فردياً وأن الدولة الوطنية هي مرجعية المصالح المشتركة. 



الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين مع قادة روحيين وسياسيين شيعة وسنة في بيروت (أرشيف رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان)


يمكن الاطلاع على النص الكامل للحوار عبر صحيفة «الشرق الأوسط» من خلال هذا الرابط المصدري الموثّق: محمد مهدي شمس الدين: إيران ليست مرجعاً سياسياً ولا دينياً للشيعة في العالم.