مياهٌ تفيض من القدس… هل هي معجزة نبوئية أم مجرد عاصفة شتوية؟

أضيف بتاريخ 01/13/2026
دار سُبْحة

يشهد القدس كميات استثنائية من الأمطار أدت إلى تدفق المياه من ساحة المسجد الأقصى نحو الأنفاق المجاورة لحائط البراق. تم التقاط هذا المشهد في مقاطع مصوّرة تم تداولها على نطاق واسع باعتباره «رسالة روحية» أو «علامة نبوئية». جاء ذلك في سياق منخفض جوي قوي ضرب إسرائيل وفلسطين المحتلة، أغرق شوارع القدس بمعدل أمطار تجاوز 40 ملم في يوم واحد وتسبب في فيضانات وإغلاق أنفاق وطرق رئيسية حول المدينة. هذا الواقع المناخي والجيولوجي يوفّر تفسيراً طبيعياً واضحاً لاندفاع المياه في الأنفاق التاريخية الممتدة تحت الحي اليهودي وحائط البراق، وهي منطقة معروفة بشبكاتها القديمة لنقل المياه منذ العصور الحشمونية والهيكلية.


غير أن بعض الخطابات الدينية سارعت إلى توظيف هذه الصور في إطار سردية نبوئية، بالاستشهاد بآية من سفر زكريا (14:8) التي تتحدّث عن «مياه حية تخرج من أورشليم» وتتدفق نحو البحرين الشرقي والغربي «صيفاً وشتاء». كثير من التفاسير الكتابية والبحثية المعاصرة تميل إلى قراءة هذا النص بشكل رمزي، باعتباره حديثاً عن فيض روحي وخلاصي وانتصار نهائي للإله في آخر الأيام، لا وصفاً حرفياً لمسار مائي هيدرولوجي محدد يمكن ربطه بكل مرة بهطول مطري غزير أو فيضان موسمي. كما يشير عدد من المفسّرين إلى أن الإقرار باستحالة تحقق الوصف حرفياً وفق الطبوغرافيا الحالية للقدس هو من الأسباب التي دفعتهم إلى التأكيد على البعد المجازي واللاهوتي في هذا النص أكثر من البعد الجغرافي المباشر.

الربط السريع بين كل ظاهرة طبيعية عابرة ونصوص نبوئية قديمة يعكس، في جزء منه، حاجة نفسية لدى بعض المؤمنين للعثور على «إشارات» و«تأكيدات» مستمرة على صدقية إيمانهم في الزمن الحاضر. لكن هذا الميل إلى تحويل كل فيضان أو زلزال أو عاصفة إلى «علامة من السماء» يطرح إشكاليتين؛ الأولى معرفية، لأنه يتجاهل التفسيرات العلمية الراسخة المتعلقة بالمناخ والبنية الجيولوجية وشبكات المياه التاريخية؛ والثانية سياسية–دينية، لأنه يغذي سرديات توظيفية قد تُستثمر لتبرير مواقف عقائدية أو مشاريع أيديولوجية على حساب قراءة هادئة للواقع. في حالة القدس، مدينة مشحونة بالرموز والتنازعات الدينية والسياسية، يصبح هذا النوع من الخطاب مضاعِفاً للتوتر، لأنه يضيف إلى النزاع على الأرض نزاعاً على «المعنى» و«الرسالة الإلهية» التي يُفترض أن تنطق بها كل قطرة مطر.

من الناحية الصحفية، تبدو الصور القادمة من أنفاق حائط البراق مثيرة بصرياً وتُغري بتحويلها إلى مادة درامية تحت عناوين من نوع «المياه النبوئية تتدفق من جبل الهيكل»، لكنها تحتاج إلى قدر من التبريد النقدي. فالمشهد، رغم رمزيته العالية، يظل في جوهره نتيجة مباشرة لعاصفة شتوية قوية، لبنية تحتية قديمة ومعقدة، ولسنوات من الحفريات الأثرية التي أعادت فتح قنوات مائية تاريخية حول الحرم القدسي وحائط البراق. أما تحويله إلى «برهان نقي» على تحقق نبوءة بعينها، من دون أي مسافة نقدية أو توضيح للسياق العلمي واللاهوتي المتعدد للتفسيرات، فيجرّ التغطية الإعلامية من ساحة الخبر والتحليل إلى فضاء التنجيم الديني والتأويل الرغبوي، وهو منزلق ينبغي الحذر منه إذا كان الهدف هو تقديم محتوى رصين يحترم عقل القارئ وإيمانه في آن واحد.