تستعيد اليابان حضور الشنتو في تفاصيل الحياة اليومية بقدر كبير من العناية والجمال والانتباه للصغير من الأشياء، غير أن هذا البعد الروحي لا يلخص وحده الإرث الذي تحمله «طريق الأرواح». فالشنتو ارتبط تاريخياً بكونه ديناً وطنياً ومظلة لطقوس الإمبراطور، ورغم إلغاء هذا الإطار رسمياً بعد الحرب العالمية الثانية، ما زالت آثاره تعمل في الخفاء وتظهر أحياناً بوضوح في المجال العام، وتشير صحيفة لا كروا الفرنسية في تقريرٍ منشور بتاريخ 16 يناير 2026 إلى أن هذا الإرث لا يزال يؤثر في المشهد الديني والسياسي المحلي.
بينوا فيرماندير، اليسوعي، أستاذ الدراسات الدينية في جامعة فودان في شنغهاي، الصين.
يعد ضريح ياسوكوني في طوكيو أبرز التعبيرات عن هذا الإرث. يتردد مسؤولون سياسيون على زيارته دورياً، ما يثير توتراً مع دول شرق آسيا وجنوبها الشرقي، وفي مقدمتها الصين. أُنشئ الضريح عام 1869، ويُقال إنه يحتضن «أرواح» 2,466,532 من الذين قضوا في سبيل الإمبراطور، وبينهم أكثر من ألف مدان بجرائم حرب، بعضهم أُعدم بقرارات محاكم عسكرية دولية بعد عام 1945. أُدرج عدد كبير من الأسماء في سجلات الضريح بين عامي 1952 و1978، ويضم المكان متحفاً محاطاً ببوابتين من البرونز وأشجار وارفة وفق العرف، لكنه لا يقدم عملاً نقدياً للذاكرة على نحو ما فعلته دول أخرى.
لا يقدم الضريح تمجيداً مباشراً للفترة الاستعمارية اليابانية وجرائمها، لكنه لا يخوض مراجعة صريحة لها أيضاً. حتى مع توظيف الصين لاعتراضاتها على زيارات رؤساء الوزراء والشخصيات العامة، يبقى الإحساس بالمفارقة قائماً أمام نصب يكرم من دون تحفظ كبير ما يُعد «ديناً وطنياً» قديماً ويعيد تثبيت سردياته.
تُظهر هذه الحالة هشاشة «الأديان الوطنية» حين تمتزج عبادة الأرض والأسلاف بسلطة الدولة وتتقاطع مع تديين الأمة، إذ ينشأ عنها نمط من العمى الأخلاقي يتكرر في أكثر من سياق. وبعد الهزيمة، أعادت اليابان النظر في مؤسساتها تحت إشراف أميركي، لكن الحنين إلى أمجاد منصرمة ظل يتغذى في المخيال الديني، لا سيما حين يُستدعى الشنتو بوصفه مرجعاً لهوية جمعية.
هذا الحنين لا يبدو في طريقه إلى الزوال. يتزامن شيخوخة السكان مع تزايد حضور الأجانب وتفاقم السياحة المفرطة، وما يصاحب ذلك من ردود فعل دفاعية. وتعمق التوترات الإقليمية والتحول الاقتصادي الضروري من حدة الانكفاء. في هذا المناخ يشتد التعلق بطقوس الشنتو ويتسع خطاب «روحانية الأمة»، وهو خطاب قادر على تجفيف أشكال روحية أكثر حيوية وطمأنينة واستبدالها بتمثلات صارمة للهوية.
اليابان ليست وحدها إزاء هذه التحولات؛ فهناك مؤشر إلى نزعة عالمية تعيد صوغ الروابط بين الدين والقومية والذاكرة. يطرح هذا المؤشر سؤالاً مباشراً علينا جميعاً: تمتلك كل تقليد روحي جماعي وجهين يتجاوران، وقد يلزم عند نقطة ما اختيار حاسم بينهما.


