الذكرى الستون لوثيقة "نوسترا أيتاتي": ستة عقود من الحوار بين الأديان وإعادة قراءة علاقة الكنيسة بالعالم

أضيف بتاريخ 01/19/2026
دار سُبْحة

تتابع الأوساط الدينية والفكرية المسيحية خلال عام 2025 الاحتفال بمرور ستين عامًا على إعلان الوثيقة المجمعية «نوسترا أيتاتي»، الصادرة عن المجمع الفاتيكاني الثاني سنة 1965، والتي مثّلت نقطة تحوّل في رؤية الكنيسة الكاثوليكية للعلاقات مع الديانات غير المسيحية. هذا الحدث الذي خصّصت له إذاعة فرانس كولتور برنامجًا حواريًا ضمن سلسلة Question d’Islam استضافت فيه الباحث في اللاهوت والحوار بين الأديان البروفيسور ميشال يونس، عميد كلية اللاهوت في جامعة ليون الكاثوليكية ومنسّق «المنصّة المتعددة»، لتسليط الضوء على دلالات الوثيقة بعد ستة عقود على صدورها.  



أشار ميشال يونس، حسب ما ورد في الحوار، إلى أن الوثيقة لم تكن مجرد نص قصير من خمسة فصول، بل إعلان لحقبة جديدة في الفكر الكاثوليكي، إذ وضعت لأول مرة أسسًا رسمية للحوار بين المسيحيين وأتباع الديانات الأخرى، وفي مقدمتهم اليهود والمسلمون. فالوثيقة –بحسبه– جاءت في أعقاب نقاشات طويلة داخل المجمع الفاتيكاني الثاني (1962 – 1965)، شارك فيها أساقفة من مختلف الكنائس الشرقية والغربية، وساهمت في بلورة رؤية أكثر انفتاحًا تجاه الديانات التوحيدية.

تحدث الأكاديمي الفرنسي عن الخلفية التاريخية لنشوء النص، مذكرًا بأن الفكرة الأصلية انطلقت من رغبة البابا يوحنا الثالث والعشرين في معالجة العلاقات اليهودية المسيحية بعد الحرب العالمية الثانية، قبل أن يُقترح توسيعها لتشمل الديانات الأخرى، وخصوصًا الإسلام، بفضل إصرار الأساقفة الشرقيين الذين رأوا ضرورة الحديث عن العلاقة مع المسلمين ضمن رؤية شاملة للانفتاح الروحي والثقافي.

ونوّه بأن الفقرة الثالثة من الوثيقة –المخصصة للمسلمين– شكلت نقلة نوعية لأنها عبّرت عن تقدير الكنيسة للمسلمين الذين يعبدون الإله الواحد، الحيّ الرحيم القادر على كل شيء، كما ورد في النص، مضيفًا أن الكنيسة لم تتحدث عن الإسلام كمنظومة عقائدية بقدر ما ركزت على الإنسان المسلم وعلاقته الروحية بالله. هذا الاختيار، كما لاحظ يونس، يعكس منهجًا يحوّل الحوار من مستوى العقائد إلى مستوى اللقاء الإنساني القائم على الاحترام والتقدير المتبادل.

وأشار الضيف إلى أن مفهوم "الحوار" الذي تبنّته وثيقة نوسترا أيتاتي لم يكن مجرد انفتاح أدبي أو دعوة للتسامح، بل إعادة قراءة لاهوتية عميقة لدور الكنيسة في العالم، إذ رأت في الحوار استمرارًا لـ"الكلمة الإلهية" التي تخاطب البشرية. ومن هنا، تحوّل الحوار إلى بُعد جوهري في رسالة الكنيسة، لا يمكن فصله عن هويتها الدينية.

وفي سياق متصل، تطرّق ميشال يونس إلى مسألة الحرية الدينية بوصفها أحد التحديات الكبرى في العلاقات الإسلامية – المسيحية الراهنة. إذ رأى أن الاعتراف بحرية الضمير يشكل خطوة أساسية نحو ترسيخ إنسانية مشتركة بين المؤمنين، مؤكدًا أن التجربة الكاثوليكية خلال المجمع الفاتيكاني الثاني يمكن أن تلهم الشتات الفكري الإسلامي في مراجعة تراثه بما يتيح التفكير من جديد في مفهوم حرية الاعتقاد.

وشدّد الباحث اللبناني الأصل على أن إعادة قراءة النصوص الدينية الإسلامية بأدوات تحليل معاصرة لا تعني القطيعة مع التراث، بل تمنح الفكر الإسلامي فرصة للانفتاح اللاهوتي بالمعنى العميق للكلمة، أي الفهم العقلي للإيمان في ضوء الأسئلة الجديدة التي يطرحها الزمن الحديث.

توقف البرنامج أيضًا عند انعكاسات الوثيقة على علاقة الكنيسة بالعالم الإسلامي، مذكّرًا بالمحطات التاريخية التي تلتها: زيارة البابا بولس السادس إلى تركيا عام 1967، والزيارة الرمزية التي قام بها البابا يوحنا بولس الثاني إلى الدار البيضاء سنة 1985، حيث خاطب الشباب المسلم مؤكّدًا القيم المشتركة بين الإيمانين، ثم لقاء البابا فرنسيس بشيخ الأزهر أحمد الطيب وتوقيعهما معًا وثيقة الأخوّة الإنسانية في أبوظبي عام 2019، وزيارته إلى العراق للقاء المرجع الشيعي علي السيستاني عام 2021. جميع هذه الأحداث، بحسب ضيف البرنامج، تُعدّ امتدادًا عمليًا لروح وثيقة نوسترا أيتاتي ورؤيتها القائمة على الاحترام والتفاهم والسلام.

يخلص البرنامج إلى أن مرور ستين عامًا على الوثيقة يشكل لحظة تأمل عميقة في مسار الحوار بين الأديان، ومسؤولية مشتركة بين رجال الدين والمفكرين في توطيد ثقافة اللقاء الإنساني. ووفق ما جاء في الحوار، فإن الحفاظ على هذا الإرث الروحي يتطلب اليوم شجاعة فكرية جديدة لإحياء معنى الكلمة التي افتتحت بها الوثيقة اللاتينية الأصلية: في عصرنا، يصبح الجنس البشري أكثر اتحادًا يومًا بعد يوم.