يطرح كتاب «الإسلام ضد الحداثة» لفرغان أزيهاري، الصادر عن Presses de la Cité، سؤالاً مباشراً عن علاقة الإسلام بالحداثة في سياق فرنسي مأزوم حول الدين والحرية والتقدم. يأتي المؤلف من خلفية ليبرالية واضحة، مدافعاً عن اقتصاد السوق ومتحمساً للتقدم التقني، ويقترح أطروحة ترى أن الإسلام، كمنظومة عقائدية ومؤسساتية، يقع في توتر بنيوي مع قيم الحداثة وأن هذا التوتر ينعكس على أداء المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة وعلى السلم الاجتماعي داخل أوروبا.
يبني أزيهاري حججه على ربط وثيق بين النصوص المؤسسة والممارسات السياسية والمعرفية، ويرفض الفصل الدارج بين «الإسلام» و«الإسلام السياسي»، معتبراً إياه اصطناعاً خطابياً لا يبدل من البناء العقدي. كما يحذر من التعويل الرومانسي على «إسلام تنويري» ينسجم تماماً مع قيم الحرية الفردية والعقلانية دون مراجعات عميقة في التصور العقدي. هذه المقاربة الصارمة أثارت استقبالاً متبايناً: اهتمام لدى منصات محافظة وليبرالية تقرأ الكتاب بوصفه مساهمة في نقاش الحرية والمؤسسات، مقابل انتقادات تعتبره جزءاً من مناخ يضيّق على المسلمين ويختزل تجاربهم المتنوعة.
يحضر العامل الشخصي بقوة في سردية المؤلف. فابن العائلة القادمة من جزر القمر قطع صلته الدينية مبكراً، ثم راكم نقده عبر خبرة عامة وخاصة، من وقع الهجمات الإرهابية في فرنسا إلى صدمة أسرية أثرت في نظرته إلى الرعاية والمؤسسات. هذه الخلفية تمنح الكتاب جرأة ووضوحاً، لكنها تجعله معرضاً لشبهة التعميم حين تتحول التجربة الفردية إلى معيار لتقييم جماعة واسعة. هنا تتعقد القراءة: بين رغبة ليبرالية في حماية المجال العام ومؤسساته الحديثة، وضرورة عدم تحويل نقد الدين إلى أحكام قيمية شاملة على المؤمنين.
على المستوى المعرفي، يعتمد العمل على مادة وثائقية كثيفة، واقتباسات وهوامش، وحتى صفحات تخيلية تتصور تاريخاً بديلاً بلا حضور إسلامي. وفرة المادة لا تغني عن أسئلة منهجية مشروعة: تقييم الإرث الإسلامي يحتاج ميزاناً يراعي مساهمات راسخة في الجبر والفلسفة والعمارة والإدارة والمعرفة، ويأخذ في الحسبان تعدد الأصوات والحقب والفضائل الروحية والفكرية التي سجّلها التاريخ. يشير باحثون، منهم غالب بن شيخ، إلى أن بعض أطروحات الكتاب تفتقر إلى إحكام علمي، مع إقرار بوجود أزمة داخلية لا يلزم أن تكون دائمة أو عصية على الإصلاح.
يتخذ أزيهاري موقع «الليبرالي الراديكالي» داخل المشهد الفكري الفرنسي: دفاع عن الحرية الاقتصادية، نقد للبيروقراطية الأوروبية، ورهان على التقدم بوصفه قيمة مركزية تنظم الفضاء العام. هذه الهوية تُضفي على نقده للإسلام لوناً خاصاً؛ فالكتاب ليس دعوة لبعث «جذور يهودية–مسيحية»، بل دفاع عن جمهورية صلبة ومنظومة قانون حديث تقاوم الانزياحات الدينية في المجال العام. هذا الخيار الفكري مفهَم في إطار نقاش الدولة والحياد، لكنه يصطدم أحياناً بكرامة المؤمنين وبالتعقيد التاريخي للتجارب الإسلامية حين تُختزل في خطاب واحد.
يقر المؤلف بصعوبة الكتابة عن إرث شكّل جزءاً من تكوينه العائلي، ويبدو واعياً لحساسية المناخ الأمني والثقافي في فرنسا. بين شعور بالإنجاز بعد مشروع طويل وقلق من «استخفاف» الدولة بتمدّد الظواهر الدينية، يلمّح إلى عودة محتملة لملفات البيئة والتقدم التقني التي اشتغل عليها سابقاً، فيما يظل بحثه عن علاقة الدين بالحداثة مفتوحاً على أسئلة تتطلب أدوات أكثر تركيباً وإحالات أوسع إلى تاريخ الأفكار والعلوم.


