يشكّل كتاب «صمت مقدّس. لماذا صمتنا؟» شهادة شخصية وجماعية في آن، تحاول من خلالهما فريديريك كابا تفكيك الآليات التي سمحت، لعقود طويلة، باستمرار صورة الأب بيار كبطل و«ضمير لفرنسا»، فيما كانت تتكشّف، في الخفاء، سلسلة من الانتهاكات الجنسية التي طالت عشرات الضحايا من نساء ورجال، قاصرين وبالغين. الكاتبة، التي عملت نحو سبعة عشر عاماً داخل حركة «إيماؤوس» ووصلت إلى أحد مناصبها القيادية، تضع نفسها في موضع الاتهام قبل غيرها: تعترف بأنها اختارت، على المستوى الحميم، ألا تسمع ما كان يقال، وألا ترى ما كانت بعض المؤشرات تلمّح إليه.
تنطلق الحكاية من لحظة صدمة محددة: صباح من يوليو ٢٠٢٤، بعدما غادرت كابا الحركة بقليل، تستمع إلى برنامج إذاعي يعلن أولى الشهادات التي تتهم الأب بيار باعتداءات جنسية. تصف ما عاشته يومها بانهيار «شخصي ومشترك»؛ فبالنسبة لكثيرين في فرنسا، وفي قلب «إيماؤوس»، كان الرجل رمزاً للنبل الأخلاقي ومقاومة الفقر والظلم. ما تكشّف لاحقاً من شهادات – عشرات الضحايا الموثقين حتى الآن – حوّل هذه الصورة إلى معضلة أخلاقية كبرى: كيف يمكن التوفيق بين مؤسس كاريزمي يهز الضمير العام، وبين مفترس جنسي استغل هشاشة من يفترض أنه يحميهم؟
الكتاب لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يحاول تحليل ما تسميه الكاتبة «العمى الاختياري» داخل الحركة. في الكواليس، كان يُتداول وصف الأب بيار بأنه «يداعب كثيراً»، «مرح أكثر من اللازم»، ويجري التعامل مع تجاوزاته الجسدية بلغة خفيفة تُضفي على السلوك طابعاً «طريفاً» أو «تحرّراً» من قيود الكنيسة. هذه السردية كانت تخدم صورة الراهب غير التقليدي، المنفتح، القريب من الناس، وتنسجم مع هوية جمعية تفتخر بأنها فضاء استقبالٍ بلا أحكام. لكنّ هذه المزاح الخفيف، كما تبيّن لاحقاً، كان يغطّي على اختلال أعمق في علاقته بالنساء وعلى شبكة من الإنذارات التي تم تجاهلها أو إفراغها من معناها.
تُشير كابا إلى أن بعض الإشارات كانت معروفة منذ زمن بعيد: إبعاد الأب بيار عن الحركة في خمسينيات القرن الماضي، ثم مطالب كنسية بإخضاعه لعلاج بسبب «انحرافات جنسية»، وشهادات لاحقة لسكرتيرات تحدّثن عن اعتداءات تعرّضن لها. غير أن رد الفعل ظل يتحرك في الإطار نفسه: نصائح للنساء بالابتعاد عنه أو تجنّب الانفراد به، كأن المشكلة تكمن في قرب الضحية لا في عنف المعتدي. هذا النمط من التطبيع مع الخطر، ترى الكاتبة، يشبه ما يحدث في عائلات أو مؤسسات أخرى حين يُطلب من الضحايا «الصمت وتحمّل الأمر» حفاظاً على تماسك المجموعة أو سمعة «الشخص الكبير».
يحتل سؤال الصمت مساحة مركزية في النص. فريديريك كابا لا تتحدث عن صمتٍ مفروض من أعلى فحسب، بل عن توافق ضمني يجمع كثيرين داخل «إيماؤوس» على تجنّب رؤية ما قد يهدد الصورة المثالية للحركة ولـ«الأب» المؤسس. تشبّه ذلك بما يجري في «العائلات المُعتدية على نفسها»، حيث يشترك الجميع في إنكار العنف أو التقليل من شأنه، لأن الاعتراف به يعني انهيار الهوية المشتركة. هذا ما جعل، في رأيها، ربط الوجه الملائكي للأب بيار بصورة مُغتصِب عنيف «أمراً لا يُحتمل» على المستوى النفسي، ودفع الكثيرين – بينهم هي نفسها – إلى تجزئة المعلومات، تبريرها، أو دفنها في منطقة رمادية بين الشك والإنكار.
البعد الأكثر إيلاماً في الاعترافات هو تداخلها مع سيرة شخصية ثقيلة: الكاتبة نفسها ناجية من اعتداءات جنسية في طفولتها. كان يمكن للقارئ أن يتوقّع أن هذه التجربة تجعلها أكثر حساسية تجاه العنف، لكنها تشرح كيف أن النجاة من الاغتصاب تعني غالباً خوض معركة يومية ضد الخوف والخجل والإحساس بالذنب، إلى درجة تجعل مواجهة عنف جديد – ولو كان رمزياً أو بعيداً – أمراً يفوق القدرة على الاحتمال. الاعتراف بأن شخصية شكّلت لها سنداً نفسياً ومرجعاً أخلاقياً قد تكون ارتكبت ما يشبه ما تعرّضت هي له طفلةً، كان سيعيد فتح جراح لم تلتئم بعد. لذلك تقول إنها اتخذت «قراراً داخلياً» بعدم الإصغاء جيداً لما كان يقال، لأن خسارة هذا الرمز كانت ستبدو، في تلك المرحلة، خطراً على تماسكها الشخصي.
مع ذلك، لا ينتهي النص في منطقة التبرير، بل في حقل المسؤولية المشتركة. الكاتبة ترفض عبارات من قبيل «لكن لا تنسوا كل الخير الذي قام به» عندما يُستعمل ذلك لتخفيف وقع الجريمة أو التهوين من شهادة الضحايا. بالنسبة إليها، الخير الذي أنجزته حركة «إيماؤوس» في خدمة الفقراء حقيقي ويجب حمايته، لكنه لا يمحو العنف الذي مارسه مؤسسها ولا يخفف من وطأة ما عانته عشرات الأرواح. الفصل بين الأمرين ضرورة أخلاقية: يمكن الإشادة بعمل المتطوعين والعاملين اليوم، من دون تحويله إلى ستار جديد يحجب مسؤولية الماضي.
في العمق، يطرح «صمت مقدّس» سؤالاً يتجاوز حالة الأب بيار أو «إيماؤوس» ليطال مجمل المجتمعات المدنية والدينية والثقافية: لماذا نفضّل في كثير من الأحيان ألا نرى ما نعرفه ضمناً؟ ما الذي يجعلنا نزن سمعة مؤسسة أو شخصية عامة أكثر من ألم ضحايا قد يكونون قريبين منا؟ وكيف يمكن كسر دوائر الصمت الصغيرة – في العائلة، في النادي الرياضي، في المدرسة أو في الجمعية – قبل أن تتحول إلى منظومة كاملة تحمي المعتدي وتخون من يفترض أن تحميهم؟
الجواب الذي تقترحه الكاتبة ليس وصفة قانونية بقدر ما هو دعوة إلى شجاعة جماعية: توسيع مساحة الإصغاء لشهادات من يقولون إنهم تعرّضوا للعنف، وعدم الاكتفاء بالاحتماء خلف «قرينة البراءة» كذريعة للصمت عن المؤشرات المتكررة. فالمحاكم، تقول ضمنياً، تحكم في النهاية على الوقائع، لكنّ المجتمع هو من يخلق البيئة التي تسمح لهذه الوقائع أن تتكرّر أو تُمنع. بين قداسة الصورة وصمت الضحايا، يختار الكتاب الانحياز الواضح: ليس ثمة عمل خيري يبرّر أن يُنتهك جسد طفل أو امرأة ثم يُطلب من الجميع أن يواصلوا التصفيق.


