في حي إيست إند شرق لندن، حيث تداخلت عبر قرن من الزمن قصص الهجرة والاندماج والتديّن، تُطوى اليوم صفحة يهودية تاريخية لتُفتح على مبادرة ذات رمزية قوية. فكنيس يهودي عريق تأسس سنة 1923، ويُعد من آخر الشواهد المعمارية على حضور يهودي كان ذات يوم نابضاً بالحياة في المنطقة، عُرض للبيع في سياق تحولات ديموغرافية جعلت الأغلبية السكانية الحالية ذات أصول مسلمة. أمام هذا المنعطف، لم تقف مجموعة من المسلمين موقف المتفرج، بل أطلقت حملة لجمع التبرعات بهدف شراء المبنى، ليس لهدم ذاكرته، بل لتحويله إلى مسجد يحتفظ بروحه كفضاء للعبادة والتوحيد، مع الحفاظ على قيمته التراثية.
هذه المبادرة تختزل حكاية انتقال ناعم للذاكرة من جماعة دينية إلى أخرى، دون قطيعة أو خصومة مع الماضي. فإيست إند كان في بدايات القرن العشرين موطناً لآلاف اليهود القادمين من أوروبا الشرقية، الذين تركوا بصمتهم في النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للحي، قبل أن تتقلص أعدادهم تدريجياً بفعل الهجرة الداخلية والخارجية. اليوم، ومع صعود حضور مجتمعات مسلمة مهاجرة وأبناء الجيلين الثاني والثالث، يتغير وجه الحي مرة أخرى، لكن في إطار استمرارية حضرية واضحة: نفس الشوارع، نفس الأبنية، ونفس الحاجة إلى فضاءات عبادة قريبة من الناس.
اختيار تحويل الكنيس إلى مسجد يحمل بدوره رسالة قوية على صعيد التعايش واحترام التراث الديني. فبدل أن يتحول المبنى إلى مشروع عقاري فاخر أو فضاء تجاري يقطع صلته بجذوره الروحية، تسعى المجموعة المسلمة إلى الحفاظ على طابعه كمكان للصلاة والتعبد، مع إمكانية تخليد تاريخه عبر لوحات تعريفية أو أنشطة ثقافية تعترف بعمقه اليهودي السابق. بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بمجرد صفقة عقارية، بل بنموذج عملي لكيفية تحويل فضاء ديني من جماعة لأخرى دون محوه من الذاكرة الجماعية.
على مستوى أوسع، تعكس هذه القصة مسار التحولات الديموغرافية الذي شهدته عدة أحياء أوروبية كبرى، حيث تراجع ثقل الجاليات اليهودية التقليدية مقابل صعود مجتمعات مسلمة مهاجرة. غير أن طريقة تدبير هذا التحول ليست واحدة في كل مكان؛ ففي حالة إيست إند، يبرز حرص جزء من المسلمين على أن يكونوا امتداداً محترماً لذاكرة المكان، لا مجرد بديل سكاني يطيح بما كان قبله. الأمر يفتح الباب أمام قراءة جديدة للعلاقات الإسلامية–اليهودية في السياق الغربي، بعيداً عن التمثلات الصراعية المرتبطة بالشرق الأوسط.

