بعد سنوات من الجدل والرفض من قبل التيار المحافظ، أعلنت السلطات الإيرانية رسمياً السماح للنساء بقيادة الدراجات النارية والحصول على رخصة سياقة خاصة بها. هذا القرار الذي كشف عنه نائب الرئيس الإيراني محمد رضا عارف يضع حداً لحالة غريبة من الغموض القانوني عاشتها الإيرانيات لسنوات، حيث كنّ في كثير من الأحيان يقدن دراجات نارية في شوارع المدن الكبرى دون سند قانوني واضح، في ظل اختناق مروري شبه دائم يجعل من الدراجة وسيلة حيوية للتنقل داخل الحواضر المكتظة.
المفارقة كانت صارخة: القانون يسمح للنساء بشراء الدراجات النارية وتسجيلها بأسمائهن بشكل قانوني، لكنه في المقابل يمنعهن عملياً من قيادتها، ما فتح الباب أمام عقوبات وانتقائية في تطبيق القوانين بحسب مزاج أو قناعة السلطات المحلية. القرار الجديد يأتي ليُسقط هذه الازدواجية، ويفتح باب تقنين وضع قائم على الأرض أكثر مما يُحدث قطيعة مع واقع جديد بالكامل. بالنسبة لكثير من الإيرانيات، الأمر لا يتعلق فقط بحرية التنقل، بل أيضاً باعتراف رسمي بحق أساسي طالما تم الالتفاف عليه.
النقاش داخل البرلمان الإيراني حول هذا الملف كان حاداً ومحمّلاً برهانات أيديولوجية. فالساسة المتشددون ورجال دين نافذون جادلوا بأن قيادة المرأة للدراجة النارية «لا تنسجم مع الضوابط الإسلامية»، وأنه من «المستحيل» احترام قواعد الحجاب الإلزامي أثناء ركوب دراجة في فضاء عام وبسرعة. آخرون ذهبوا أبعد من ذلك، معبّرين عن مخاوف سياسية وأمنية صريحة: زيادة حركة النساء وقدرتهن على التنقل السريع قد يجعل مشاركتهن في الاحتجاجات أكثر سهولة، ويُصعّب من مراقبتهن والسيطرة عليهن في الفضاء العام.
إلى جانب هذا، استُحضرت حجج «تقنية» لتبرير الرفض، من قبيل القول إن النساء أكثر عرضة للحوادث أو أقل قدرة على التحكم في الدراجة، وهي أطروحات اعتبرتها المدافعات عن حقوق المرأة مجرد امتداد لنمط طويل من الوصاية واحتكار الفضاء العام من طرف الرجال. وفي المقابل، رأى المدافعون عن القرار أن تحديث القوانين لمواكبة الواقع الاجتماعي والضغط الاقتصادي والاختناق المروري لم يعد ترفاً، بل ضرورة عملية، خاصة في المدن التي أصبح فيها استخدام السيارة مسألة شبه مستحيلة في أوقات الذروة.
بهذا المعنى، يحمل قرار السماح للنساء بقيادة الدراجات النارية في إيران دلالات تتجاوز الجانب المروري البحت. إنه اعتراف تدريجي بضرورة تحديث المنظومة القانونية بما ينسجم مع واقع مجتمع شاب، متعلم، وحاضر بقوة في الفضاء الرقمي والاحتجاجي. وبينما قد يبدو هذا التغيير محدوداً مقارنة بطموحات الحركة النسوية الإيرانية، إلا أنه يفتح نافذة جديدة على إمكانية انتزاع مكاسب إضافية عبر تراكمات صغيرة، ويُجبر التيار المحافظ على التكيّف مع حقيقة أن التحكم الكامل في حركة النساء وحضورهن في الشارع لم يعد ممكناً كما كان في السابق.


