ينتمي كتاب «عيسى و مُحمّد: توازي المسارات.. توازي السِّيَر» للمفكّر الأميركي فرانسيس إدوارد بيترز، بترجمة الدكتور علي بن رجب، إلى حقل الدراسات المقارنة في الأديان، حيث يقارب سيرتي النبيّين عيسى بن مريم ومحمّد بن عبد الله من زاوية توازي المسار التاريخي والدعوي، أكثر من التركيز على الجدل العقدي أو الدفاعيات اللاهوتية. ينطلق المؤلِّف من فرضية أساسية مفادها أن فهم علاقة المسيحية بالإسلام يمرّ عبر وضع الشخصيتين المركزيتين في كلا الديانتين داخل سياقهما التاريخي والاجتماعي واللغوي، ثم تتبّع نقاط التشابه والاختلاف في التجربة النبوية، وفي الكيفية التي تلقّت بها الجماعة الأولى رسالة كلٍّ منهما، والصورة التي رسخت عنهما في الوعي الديني اللاحق.
يعتمد بيترز في هذا العمل على منهج تاريخي نقدي يجمع بين قراءة النصوص المؤسسة في القرآن والأناجيل المعتمدة، وبين المعطيات التي قدّمتها الكتابات السيرية الإسلامية والمسيحية، مع إيلاء عناية خاصة للبعد اللغوي والثقافي للبيئة التي نشأ فيها كل نبي. هذا الاختيار المنهجي يتيح له إبراز عناصر التقاطع: من قبيل موقع الوحي في التجربة الدينية، وطبيعة الخطاب الأخلاقي والاجتماعي، وعلاقة النبي بجماعته الأولى، وكيفية تحوّل هذه الجماعة إلى كيان ديني – حضاري مستقلّ. كما يتوقّف عند الفوارق الجوهرية التي صاغت لاحقاً الحدود الفاصلة بين المسيحية والإسلام، مثل مفهوم النبوّة، وطبيعة الوحي، ومكانة الشريعة في تنظيم الحياة الفردية والجماعية.
يمتاز الكتاب بلغته التحليلية الهادئة، وحرصه على تجنّب الأحكام المسبقة أو المقارنات التفضيلية المباشرة، مع إفساح المجال أمام القارئ ليبني قراءته الخاصة انطلاقاً من عرض موازٍ ومتزامن لمساري عيسى ومحمّد. ويُعدّ هذا العمل امتداداً لمشروع المؤلِّف الأوسع في دراسة الأديان الإبراهيمية من داخل نصوصها ومصادرها التاريخية الأولى، بما يقدّمه من مادة ثرية للباحثين والمهتمين بالحوار الإسلامي–المسيحي، وللقارئ العام الراغب في فهم أعمق لجذور التشابه والاختلاف بين النبوّتين.
صدرت الترجمة العربية للكتاب عن مؤسسة «مؤمنون بلا حدود» في بيروت والشارقة سنة 2025، في طبعتها الأولى، وجاءت في نحو 340 صفحة، ما يعكس حجم المشروع وأهميّته في إثراء المكتبة العربية بدراسة مقارنة معمّقة لسيرتين مركزيتين في الوعي الديني الإنساني.


