حصلت مكتبة البولانديست التاريخية في بروكسل على اعتراف عالمي بعد إدراج أرشيفها ومنقوشاتها ومخطوطاتها ضمن سجل «ذاكرة العالم» لدى اليونسكو، في احتفال أقيم في مقر المكتبة الملكية البلجيكية في 29 يناير. تضم هذه المجموعة كنزًا فريدًا هو «أكتا سانكتوروم»، عمل موسوعي من 67 مجلدًا على مدى أربعة قرون يوثّق سير القديسين وفق منهج نقدي ودقيق، ما يجعل «مكتبة القديسين» مرجعًا لا غنى عنه للباحثين في الهاغيوغرافيا والدراسات التاريخية.
عبّر مدير المؤسسة، الأب فيليب غودّينغ، عن فخر المجتمع العلمي الذي تأسس منذ 1630 مؤكّدًا الالتزام بـ«تكثيف الجهود، بدعم الأصدقاء والمحسنين، من أجل إبراز هذه الكنوز الوثائقية». كما وصفت إليزابيث دُغريز، رئيسة حكومة اتحاد والونيا–بروكسل، هذا الإدراج بأنه «تكريم مستحق لإحدى ألمع الجمعيات العلمية». هذا الاعتراف يعيد تسليط الضوء على دور البولانديست، وهم باحثون من اليسوعيين ومن المدنيين، في تطوير نقد هاغيوغرافي صارم يقوم على التحقّق من أصالة المصادر، ووضعها في سياقها، ومقارنتها بمنهجية علمية.
تعود البدايات إلى عام 1607 حين نشر الأب الهولندي-البلجيكي هيريبيرت روسويد «فاستي سانكتوروم»، واضعًا أسس البحث القائم على معايير فِيلولوجية حازمة. ثم انطلق الأب جان بولّان، اليسوعي البلجيكي الذي يحمل المشروع اسمه، في 1630 بجمع ملفات لكل قديس وتوثيق حياته وكل ما يتصل بمظاهر العبادة له، قبل أن يواصل خلفاؤه هذا المشروع حتى صاروا يُعرفون بـ«البولانديست». وقد أثمرت جهودهم توثيق حياة أكثر من 1100 قديس عبر نحو 60 ألف صفحة، في عمل يتجدد باستمرار ويواكب المعايير الحديثة للنقد التاريخي.
يصدر البولانديست مرتين سنويًا مجلة «Analecta Bollandiana» لتحديث «أكتا سانكتوروم» وعرض آخر ما استجد في الهاغيوغرافيا المسيحية، مع نشر نصوص قديمة باللاتينية واليونانية ولغات شرقية، ونسخٍ بالعربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية، ما يوسّع الوصول الأكاديمي ويعزّز حضور المكتبة على شبكة الباحثين عالميًا. تُحفَظ الأرشيفات في مركز القديس ميشيل اليسوعي في بروكسل، ضمن مكتبة تمتد على خمسة طوابق وتتيح جزءًا من مجموعاتها رقميًا، مع تسريع وتيرة الرقمنة بفضل التمييز الذي منحته اليونسكو.
تضم الأرفف إلى جانب «أكتا سانكتوروم» نحو 300 مجموعة أرشيفية، و700 لوحة نحاسية محفورة، ومئات المخطوطات واللوحات المطبوعة، بلغات ولهجات قديمة ووسيطة وحديثة، ما يوفر مصادر موثوقة ومتعددة اللغات للباحثين في التاريخ واللاهوت والثقافة المسيحية. هذا الرصيد، الممتد جذوره في تراث اليسوعيين وفي تقاليد البحث النقدي، يؤكد أن الحفظ والرقمنة ليسا مجرد إجراءات تقنية، بل خطوة أساسية لرفع قيمة المعرفة وإتاحة الإرث الثقافي للعموم والاختصاصيين على حد سواء.


