عميد الجامع الكبير في باريس : "لسنوات، كان الإسلام والمسلمون يمثلون مشكلة"

أضيف بتاريخ 02/10/2026
دار سُبْحة


يقدّم عميد جامع باريس الكبير، شمس الدين حفيظ، قراءة نقدية حادّة لكيفية حضور الإسلام والمسلمين في النقاش العمومي الفرنسي خلال السنوات الأخيرة، إذ يؤكد أنّ «الإسلام والمسلمين صاروا منذ سنوات يُقدَّمون باعتبارهم مشكلة». هذا التوصيف لا يأتي من موقع الخصومة مع الجمهورية، بل من موقع التحذير من انزلاق خطاب سياسي وإعلامي واسع نحو ربط ممنهج بين الإسلام والانحرافات الأمنية أو قضايا الهجرة والهوية، بما يكرّس شعورًا متزايدًا بالتهميش لدى شريحة واسعة من مسلمي فرنسا.


يرى حفيظ أنّ تراكم التصريحات المتشنجة، والتقارير البرلمانية، ومشاريع القوانين التي تُقحم الإسلام في كل نقاش حول الأمن أو «الانفصالية»، خلق مناخًا من الشك الدائم حيال المواطنين المسلمين، حتى بات كثيرون منهم يشعرون بأنهم موضع مساءلة جماعية عن أفعال أقلية متطرفة لا تمثلهم. ويشدّد على أنّ هذا المناخ لا يمرّ من دون ثمن، إذ يتجلى في ارتفاع الاعتداءات اللفظية والجسدية على المسلمين وأماكن عبادتهم، وفي إحساس متنامٍ بأن الانتماء الديني يمكن أن يتحول إلى عبء مدني.

في المقابل، لا يتبنّى حفيظ خطاب الضحية المطلق، بل يذكّر بأنّ العلمانية في جوهرها إطار قانوني يمكن أن يشكّل فرصة للإسلام في فرنسا، لأنها تساوي بين جميع الأديان وتحمي حرية الاعتقاد. لكنه ينبه إلى أنّ المشكلة ليست في نصوص قانون 1905، بل في توظيفها السياسي حين تُستدعى بشكل انتقائي تقريبًا حصريًّا عند الحديث عن الإسلام، بينما تُعامل باقي التعبيرات الدينية بقدر أكبر من التساهل أو اللامبالاة.

من هذا المنطلق، يدعو حفيظ إلى إعادة بناء العلاقة بين الإسلام والجمهورية على قاعدة ثلاثية واضحة: أولًا، إسلام يقدَّم في بعده الروحي والأخلاقي بعيدًا عن القراءات الأيديولوجية المتطرفة؛ ثانيًا، جمهورية تلتزم فعلًا بضمان المساواة في الحقوق والحريات لجميع مواطنيها، مهما كانت عقائدهم؛ وثالثًا، مؤسسات تمثيلية للمسلمين قادرة على إنتاج خطاب ديني مسؤول، يواجه خطاب الكراهية ضد المسلمين مثلما يواجه النزعات المتشددة داخل البيت الإسلامي نفسه.

في هذا السياق، تندرج مبادرات من قبيل إصدار «دليل للمسلم» يشرح كيفية التوفيق بين الإيمان وأحكام الجمهورية، والتي ترعاها مؤسسات مثل جامع باريس الكبير، بوصفها محاولة عملية لتقديم مرجع يساعد الشباب والأسر المسلمة على فهم القواعد القانونية والعيش الديني في إطارها. غير أن هذه المبادرات، في نظر حفيظ، لن تؤتي ثمارها ما لم يُراجِع الفاعلون السياسيون والإعلاميون طريقة تناولهم لقضايا الإسلام، ويتخلّوا عن تحويله إلى «قضية أمنية» أو «معضلة هوية» دائمة، ليُعاد النظر إليه كأحد تعابير التعدد داخل المجتمع الفرنسي، لا كخطر كامِن يجب تطويقه باستمرار.