دليل مسجد باريس بين التعدد الفقهي والضبط الإداري

أضيف بتاريخ 02/11/2026
دار سُبْحة

بحسب قراءة نقدية للكاتب عبد الله بوصوف منشورة على موقع هسبريس، أُشير في العرض التعريفي لكتاب "مسلمو الغرب" الصادر عن مسجد باريس إلى أنه ثمرة عمل لجنتين، دينية ومدنية، في مجلد يقارب ألف صفحة، وأنه مُرفق بميثاق باريس وقاموس اصطلاحي. ووفق ما قُدم، يستند العمل إلى ثلاثية التكييف والضرورة والاجتهاد الجماعي بغرض توفير أجوبة عملية لمسلمي فرنسا في قضايا مثل الزواج المدني والحجاب والعلاقات الأسرية ضمن الإطار الجمهوري. وتفيد القراءة التي رافقت التقديم بأن المبادرة تبدو تنظيمية من جهة، لكنها تفتح من جهة أخرى أسئلة معرفية حول المرجعية وحدود المقاربة الإدارية في تشكيل الدين داخل المجال العام.



وتذهب القراءة ذاتها إلى أن إبراز قاعدتي التكييف والضرورة بوصفهما أساسًا منهجيًا ينقل أدوات استثنائية في أصلها الفقهي إلى مقام تأسيسي دائم؛ إذ يُفهم من هذا المسار أن الحلول تصبح مرتبطة بضغط السياق أكثر من ارتباطها بآليات إنتاج الحكم من داخل الأصول. ويُستشف من التصريحات المصاحبة أن الحديث عن "تكييف" لا عن "تجديد" أو "إصلاح" يعزز تصورًا يعتبر الإجابات تدبيرًا ظرفيًا ملائمًا لقالب خارجي، لا ثمرة لاجتهاد داخلي مكتمل الأدوات.

كما تُعرض في هذه القراءة فكرة مفادها أن الدليل يتعامل مع الإسلام باعتباره موضوعًا للقولبة ليتلاءم مع الإطار الجمهوري، بدل اعتباره منظومة معرفية لها أدواتها لضبط الاختلاف وإنتاج الأحكام. وبناء على ذلك، يُنقل مركز الفعل من الداخل، حيث تعدد المدارس وتراكم الفقه، إلى الخارج عبر توحيد مرجعي وتوجيه مركزي. ويُذكر تاريخيًا أن الحيوية الدينية ارتبطت بضبط الاختلاف لا بإلغائه، وأن التعدد الفقهي عُدّ مصدر مرونة واستقرار، بينما يؤدي تضييق مساحات الاختلاف المشروع إلى دفع الأصوات المتشددة نحو الهامش ومنحها لغة احتجاجية أعلى.

ويُطرح كذلك، وفق بوصوف، أن النموذج المقترح يقترب من بنية كنسية في إدارة الشأن الديني، من خلال إعادة تعريف دور الإمام ضمن هرمية صارمة تُشبه وظيفة "كاهن مدني"، في حين شهد التاريخ الإسلامي غياب مؤسسة مركزية تحتكر التأويل، وحضور مدارس متعددة داخل أصول منهجية مشتركة. وفي هذا السياق، تُستحضر تجارب الضبط من أعلى، ومنها إدارة الشأن الديني في الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية، باعتبارها نمطًا يجعل الدين ملفًا إداريًا على حساب الاجتهاد الذاتي.

وعلى مستوى المراجع، تُشير القراءة إلى استشارة مؤسسات مثل الأزهر والزيتونة ودار الفتوى في الجزائر ورابطة العالم الإسلامي، مع التنبيه إلى غياب جامعة القرويين رغم ثقلها التاريخي والعلمي، ورغم حضور جالية مغربية واسعة في فرنسا تعتمد نموذج التدين المالكي المعروف بالاعتدال. وتُفهم من هذه الملاحظة أسئلة حول معايير الانتقاء، خاصة أن الأدوات المالكية مثل العرف وما جرى به العمل والاستحسان تُقدَّم عادة كآليات داخلية عملية لملاءمة الأحكام مع السياقات الأوروبية دون تلفيق انتقائي. كما يُستدل بأن استحضار خبرة الأندلس في التعايش والتعدد قد يمنح التصور أفقًا معرفيًا أوسع.

وفي ما يخص التعبير اللغوي، يُسجل على مصطلح "مسلمو الغرب" أنه يوحي بثنائية نحن/هم، بينما يُنظر إلى المسلمين في فرنسا باعتبارهم مواطنين مندمجين في المجتمع الفرنسي. ومن ثم، تُفهم الدعوة إلى استعمال تعبيرات من قبيل "مسلمون في فرنسا" باعتبارها أدق في تمثيل الانتماء المدني وتجنب المسافات الرمزية غير الضرورية.

وتُطرح كذلك ضرورة تثبيت المركزية العملية للمذهب المالكي في المشهد الفرنسي، لكون تهميشه قد يُفسح المجال لخيارات لامذهبية تستند إليها تيارات سلفية. ووفق هذا التصور، يُمكن للاجتهاد من داخل المالكية، بالاستناد إلى المقاصد وآليات الترجيح المعتبرة، أن يوفّر حلولًا منسجمة مع البيئة القانونية والاجتماعية في فرنسا من دون شعور بالتكييف المؤقت أو الانصهار القسري، بما يحوّل الاجتهاد الجماعي إلى مسار داخلي لا ترجمة لإملاءات خارجية.

أما ميثاق باريس والقاموس المرافق، فيُفهم من المقارنات أنهما لا يقدمان قطيعة واضحة مع وثائق سابقة منذ تأسيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية عام 2003، وأن الحاجة تميل إلى معجم يستوعب تحولات اللحظة ويصوغ المصطلحات القانونية والفقهية بدقة أكبر.

وبناء على ما سبق، تُربط القيمة العملية للدليل بقدرته على فتح مساحات اجتهاد تعددية منضبطة بدل الاكتفاء بالضبط الإداري؛ إذ يُستدل بأن تحويل التعدد الفقهي إلى رافعة تنظيمية، وإسناد الحضور المالكي بأدواته المرنة، وتحرير اللغة من ثنائيات الهوية، قد يُنتج أجوبة أصيلة داخل الإطار الجمهوري تجعل الالتزام الديني والمواطنة مسارين متكاملين.