يُصادف يوم الأربعاء الرمادي الثامن عشر من فبراير هذا العام، وهو اليوم الذي يلي احتفالات الماردي غرا، ويُعدّ بالنسبة للمسيحيين، خاصة الكاثوليك، بداية فترة الصوم الكبير التي تستمر حتى سبت النور. تمتد جذور هذا التقليد إلى القرن الرابع الميلادي، حيث جرى تحديد الصوم الكبير كفترة من أربعين يوماً تسبق الجمعة العظيمة، في إشارة رمزية إلى الأربعين يوماً التي صامها المسيح في الصحراء قبل بدء رسالته العلنية، وكذلك إلى الأربعين سنة التي قضاها بنو إسرائيل في رحلتهم من مصر إلى الأرض الموعودة.
ولضمان أن يتوافق عدد أيام الصوم الفعلية مع العدد الرمزي أربعين، جرى تقديم بدايته إلى الأربعاء الذي يسبق أول أحد من زمن الصوم، ليُعرف منذ ذلك الحين باسم "الأربعاء الرمادي". يستمد هذا اليوم اسمه من الطقس الذي يعود إلى القرن العاشر، حيث يرسم الكهنة علامة الصليب على جباه المؤمنين باستخدام رماد الرموز المقدسة الماضية، مرددين عبارة تعبّر عن التواضع والتوبة: "من التراب جئتَ وإلى التراب تعود". يرمز الرماد في هذا السياق إلى هشاشة الحياة الإنسانية وإلى الرغبة في الغفران والتجدد الروحي.
يتميز الصوم الكبير بممارسات التقشف وضبط النفس، منها الامتناع عن تناول اللحوم والدهون، وهو تقليد تتبعه الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية مع اختلاف في الطقوس والتفاصيل. أما الكنائس البروتستانتية فترى أن خلاص الإنسان لا يعتمد على الصوم بل على الإيمان وحده، فتتعامل مع هذه الفترة باعتبارها وقتاً للتأمل في آلام المسيح وتسمّيها "زمن الآلام".
وفي العصر الحديث، اتخذ الصوم الكبير معاني تضامنية وإنسانية جديدة، حيث تنظم الكنائس والجماعات الدينية في هذه المناسبة مبادرات خيرية وأنشطة اجتماعية تهدف إلى دعم الفئات المحتاجة، في روح من المشاركة والتقارب بين الطوائف المسيحية المختلفة.


