خلال السنوات الأخيرة، تحوّل خطاب إيلون ماسك حول الدين والإيمان من مواقف لادينية متحفظة إلى تصريحات أكثر وضوحًا في الإشارة إلى "الله" و"الخالق"، في مسار يعكس مراجعة داخلية تدريجية أكثر منه انقلابًا مفاجئًا. فقد عُرف ماسك لسنوات طويلة بميله إلى التعامل مع الأسئلة الوجودية من زاوية علمية محضة، مركّزًا على الفيزياء والكون والتكنولوجيا، مع مسافة واضحة من الأديان المنظمة، قبل أن يبدأ تدريجيًا في استخدام مفردات أقرب إلى لغة الإيمان، ثم ينتهي إلى اعتراف صريح بأن هذا الكون "جاء من شيء ما" وأن "الله هو الخالق".
في مراحل مبكرة من مسيرته، كان ماسك يميل إلى ما يمكن وصفه باللادينية العملية؛ فهو لا يقدّم نفسه كملحد أيديولوجي منخرط في سجال مع الأديان، بقدر ما يقدّم صورة المهندس المنشغل بالأسئلة التقنية أكثر من انشغاله بالطقوس الدينية. في أحاديث سابقة، عبّر عن عدم ممارسته للصلاة أو العبادات بمعناها التقليدي، وركّز على أن فهم الكون يتم عبر قوانين الفيزياء والتجربة العلمية، مع تحفظ واضح على فكرة التوفيق السهل بين الدين والعلم. هذا الخطاب وضعه لفترة في خانة "الرموز التكنولوجية" التي يُستشهد بها كثيرًا في النقاشات العلمانية حول مستقبل البشرية والذكاء الاصطناعي واستعمار الفضاء.
مع ذلك، أخذ هذا الموقف يتدرج نحو مساحة وسطية مع مرور الوقت، حيث بدأ ماسك يميّز بين "الدين كمؤسسة" و"القيم الدينية" كمنظومة أخلاقية واجتماعية. في أكثر من مناسبة، أبدى احترامًا صريحًا لتعاليم يسوع الأخلاقية، مثل التسامح، والعطف، و"معاملة الآخرين كما تحب أن تُعامَل"، مع إقرار بأن هذه المبادئ ساهمت تاريخيًا في تشكيل حضارة غربية أكثر إنسانية. هذا التقدير للقيم المسيحية لم يكن مقرونًا باعتراف تقليدي بالإيمان، بل أتى ضمن مقاربة وصف نفسه فيها أحيانًا باعتباره "غير متدين بشكل خاص"، مع احتفاظه بمسافة نقدية من العقائد المنظمة، وكأنه يفصل بين "المحتوى الأخلاقي" و"المحتوى العقدي" للدين.
المنعطف الأوضح في خطاب ماسك جاء عندما بدأ يتبنّى وصف "المسيحي الثقافي"، وهو تعبير بات يستخدم في الغرب لوصف من يرى نفسه جزءًا من الإرث المسيحي حضاريًا وثقافيًا، دون التزام كامل بالمعتقدات اللاهوتية أو الممارسات الكنسية. في هذا الإطار، قدّم ماسك الدين، وبخاصة المسيحية، بوصفها ركيزة أساسية في تشكيل القيم التي قامت عليها المجتمعات الغربية، مؤكدًا أن غياب الدين لا ينتج بالضرورة إنسانًا أكثر حرية، بل قد يفضي إلى فراغ قيمي يصعب ملؤه بالعلم وحده. كما ربط في أكثر من تعليق بين تراجع التدين وبين انخفاض معدلات الخصوبة، معتبرًا أن الخطابات الثقافية المعادية للدين غالبًا ما تتحول إلى ثقافات "معادية للإنجاب"، وهو ما يراه تهديدًا مباشرًا لاستمرارية الحضارة.
من زاوية أخرى، برز لدى ماسك بعدٌ عملي في النظر إلى الدين كحليف محتمل في مواجهة أزمات اجتماعية وأخلاقية معاصرة. ففي مناسبات متفرقة، شجّع الناس على الذهاب إلى الكنيسة، ورأى في الإطار الديني فرصة لإعادة بناء الروابط المجتمعية في ظل تصاعد الفردانية والتفكك الاجتماعي. هذا الطرح لم يأتِ من موقع الداعية، بل من موقع رجل أعمال يراقب المؤشرات الديموغرافية والنفسية ويتخوّف من مستقبل تتفكك فيه الروابط التقليدية من أسرة ودين ومجتمع، بينما تتسارع قدرات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا دون إطار أخلاقي واضح يضبطها.
التحوّل الأكثر إثارة للجدل ظهر بوضوح في عام 2025، عندما بدأ ماسك يصرّح بأن نظرته إلى الله تغيّرت، وأنه بات "منفتحًا على الإيمان" انطلاقًا من قراءته للكون وقوانينه. لم يقدّم هذا التحوّل بوصفه "توبة" بالمعنى الديني التقليدي، بل بوصفه مراجعة فكرية ناتجة عن التأمل في "الضبط الدقيق" للكون وطبيعة القوانين التي تحكمه. الإطار الخطابي هنا أقرب إلى ما يُعرف بإيمان قائم على الحجة الكونية أو "العقلانية الروحية"، حيث يُقرأ انتظام الكون وتعقيده كإشارة إلى وجود "مصدر" أو "خالق" خلف الواقع المرصود، حتى لو ظلّ هذا الخالق خارج أطر التصوّر الديني التفصيلي.
في هذا السياق، أصبح ماسك يتحدث أكثر عن "قوة أعلى" أو "عقل أعظم" يقف وراء وجود الكون، دون إغفال الإقرار بأن كثيرًا من هذه الأسئلة تبقى مفتوحة على الغموض. ورغم أنه استمر في تأكيد احترامه للمنهج العلمي والبرهان التجريبي، فإن لغته لم تعد تستبعد وجود الله، بل باتت ترى أن الإلحاد الجازم أقل انسجامًا مع الأسئلة المفتوحة في الفيزياء الكونية والوعي والوجود. هنا تبلور خطابه عند نقطة وسط بين الإلحاد التقليدي والإيمان الديني الكلاسيكي، حيث أصبح يتعامل مع فكرة الله بوصفها فرضية وجودية قوية وليست مجرد بقايا موروث ثقافي.
اللحظة الفاصلة رمزيًا جاءت خلال حواره مع كاتي ميلر في نهاية 2025، عندما سُئل عمّن يحترمه أكثر، فكان جوابه المباشر: "الخالق". ثم، عند سؤاله عن موقفه من الله، قال بوضوح إن "الله هو الخالق"، وإن هذا الكون جاء "من شيء ما"، مع إشارة إلى أن الناس يختلفون في التسمية لكن الواقع واحد. هذه الجملة القصيرة مثّلت بالنسبة لكثيرين إعلانًا علنيًا بالانتقال من موقف لاديني متردد إلى اعتراف صريح بوجود خالق، حتى لو ظل الإطار اللاهوتي لهذا الإيمان غير محدد.
هذا الاعتراف حمل أصداء متعددة في الفضاء الإعلامي؛ ففي الأوساط المحافظة والدينية في الغرب، قُدّم على أنه "عودة إلى الإيمان" أو "صحوة روحية" لرجل يمثل قمة الهرم التكنولوجي والمالي في عصره. أما في أوساط أخرى، فقد قُرئ كتعبير عن براغماتية سياسية وثقافية، خاصة في سياق تقاطعات ماسك مع قواعد شعبية محافظة في الولايات المتحدة، ترى في المسيحية عنصرًا جوهريًا في الهوية الوطنية. وبين هذا وذاك، ظهرت قراءات تتعامل مع تحوّل ماسك بوصفه تجسيدًا لحيرة النخب التكنولوجية أمام أسئلة المعنى والغاية في عالم يتسارع فيه الذكاء الاصطناعي بوتيرة تفوق قدرة الإنسان على الضبط الأخلاقي.
على مستوى الخطاب الفلسفي، يمكن قراءة هذا التحوّل بوصفه انتقالًا من تصور "كون مكتفٍ بذاته" إلى تصور "كون دالّ على ما وراءه". فبدلًا من النموذج الذي يرى أن كل الأسئلة يمكن في النهاية اختزالها في تفاعلات مادية صمّاء، بات ماسك يتحدث عن احتمال وجود "نية" أو "غرض" أو "مصدر أول" خلف الواقع المادي. هذا التغيير لا يعني بالضرورة أنه تبنّى عقيدة دينية محددة، لكنه يعني أنه لم يعد يرى في الإيمان بالله نقيضًا صارمًا للعلم، بل إمكانية تفسيرية إضافية لما يعجز عنه المنهج العلمي الصرف في قضايا الأصل والمعنى.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن خطاب ماسك لا يزال متحفظًا تجاه الانخراط في هوية دينية محددة؛ فهو لم يعلن اعتناق مذهب بعينه، ولم يظهر كمَن يتبنى مواقف لاهوتية تفصيلية حول الوحي والكتب المقدسة والطقوس. ما يقدّمه أقرب إلى إيمان فلسفي أو "ربوبية مخففة" يقرّ بوجود خالق، ويثمّن الأطر الدينية، وخاصة المسيحية، بوصفها حوامل قيمية، مع ترك مساحة واسعة للاختلاف والتعدد في طرق تسمية هذا الخالق وفهمه. هذا ما يجعل تحوّله مثار جدل: هل هو بداية مسار ديني أعمق، أم مجرد تعديل لغوي في خطاب رجل يدرك وزن الدين في تشكيل المجتمعات؟
تعكس رحلة إيلون ماسك مع الدين مزيجًا من الأسئلة العلمية والوجودية والاجتماعية: من هندسة الصواريخ إلى هندسة المعنى، ومن حسابات المدار إلى حسابات الغاية، ومن الإيمان بالفيزياء وحدها إلى الإيمان بأن وراء الفيزياء "شيئًا ما". قد يختلف المتابعون في تقييم صدقية هذا التحول أو عمقه، لكن المؤكد أن دخول شخصية بحجمه إلى ساحة النقاش الديني، ولو بلغة حذرة، يضيف طبقة جديدة إلى الحوار العالمي الدائر حول موقع الإيمان في عصر الذكاء الاصطناعي والفضاء والبيانات العملاقة.


