قدّمت الدكتورة عقيلة دبيشي عملًا بحثيًا موسّعًا بعنوان السلفية الجهادية في الفكر والممارسة: جذورها، تحوّلاتها، ومسارات المواجهة، ترصد فيه هذا التيار من زاوية فكرية وتنظيمية متكاملة بعيدًا عن السرديات الاختزالية. يتعامل الكتاب مع السلفية الجهادية بوصفها بنية أيديولوجية مكتملة تشكّلت عبر عقود، لا استجابة عابرة للأزمات، ويقارب مفاهيم مركزية في خطابها مثل الولاء والبراء والحاكمية والجاهلية، وكيف تُستثمر كأدوات لمنح الشرعية لاستخدام القوّة وفرض مشروع تغييري ديني واجتماعي.
ينطلق التحليل من السياق السلفي الأوسع الذي يدعو إلى العودة لفهم السلف، لكنه يميّز بين منطلقات عقدية عامّة وبين التحوّل الجهادي الذي أعاد تأويل المفاهيم وأدخلها في منطق تعبوي صراعي. بهذا المعنى، يشتغل البحث على تفكيك الطبقات العقدية والخطابية التي صاغت هوية التيار، ويختبر بنيته الداخلية وكيفيّة تشكّل مواقفه من السلطة والمجتمع والحداثة، مع إضاءةٍ على تاريخ تشكّله وتدرّج أجياله ضمن مسارات التطرف والإرهاب في العالم الإسلامي وخارجه.
يركّز الكتاب على مسألة المنهج أكثر من تتبّع الوقائع، فيوظّف أدوات تحليلية متعددة الحقول لفهم الظاهرة بوصفها تراكبًا تاريخيًا وسياسيًا واجتماعيًا. ويقدّم بذلك مادةً تُفيد النقاشات الراهنة حول مكافحة التطرف، من خلال بيان كيف أعاد التيار إنتاج مفاهيم الحاكمية والجاهلية بما يسمح بتوسيع مفهوم العدو وتقنين العنف، وكيف صاغت أدبياته آليات الاصطفاء والتمييز عبر مبدأ الولاء والبراء الذي يعيد ترتيب العلاقات داخل المجالين الديني والمدني.
وتشير دبيشي إلى أن متابعة التحوّلات لا تكتمل من دون قراءة البنى التنظيمية والشبكية التي أتاحت انتقال الخطاب بين أجيال مختلفة، من الجذور الأولى وصولًا إلى محاولات المواجهة المعاصرة. هنا يبرز رهان الكتاب على بناء فهم تراكمي يعيد وصل الخلفية العقدية بالواقع السياسي والاجتماعي، ويمنح صانعي السياسات والباحثين أدوات أوضح لتفكيك خطاب السلفية الجهادية والتعامل مع امتداداته الإعلامية والدعوية.


