تشرح قراءة تحليلية نشرتها «لا كروا» أن الإعلان عن تحديد رفات الأب كاميلو توريس في 15 فبراير 2026، بالاستناد إلى فحوص جينية نفذها مختبر أميركي بتكليف من «وحدة البحث عن الأشخاص المفقودين» (UBPD)، أعاد إلى الواجهة شخصية أول كاهن كاثوليكي ينخرط في حركة يمينية ثورية ذات مرجعية ماركسية في كولومبيا. فقد سُلِّمت الجرّة الجنائزية التي تضم عظامًا نسبت إليه إلى الكاهن اليسوعي خافيير خيرالدو في بوغوتا، بعد عقود قضاها الأخير في البحث عن الجثمان الذي أخفته القوات المسلحة عقب مقتل توريس في معركة مع الجيش في 15 فبراير 1966 إثر التحاقه بصفوف «جيش التحرير الوطني» (ELN).
يرى المحلّل أن وقع الخبر يعود إلى المكانة الرمزية التي يحتلها توريس في الذاكرة السياسية؛ إذ يصفه الباحث كارلوس مدينا غالييغو بأنه «رمز للنضال من أجل العدالة الاجتماعية»، مستندًا إلى عمله الميداني ككاهن وعالِم اجتماع في أحياء الفقر، حيث صاغ أطروحته حول «الحبّ الفعّال» الذي يفترض، بحسب قراءته للإنجيل، أن يتحوّل الحب المسيحي من مجرد شعور تجريدي إلى التزام عملي بتغيير البنى الجائرة في المجتمع. هذا التصوّر، كما تذكّر «لا كروا»، سيلهم لاحقًا تيار «لاهوت التحرير» في أميركا اللاتينية، وإن ظل توريس حالة متطرفة فيه بسبب اختياره الكفاح المسلح.
في المقابل، يُظهر المقال أن الكنيسة الكولومبية بقيت حذرة حيال إرثه؛ فمع أن مجلس الأساقفة حيّا ذكراه الأخيرة باعتباره صوتًا يدعو إلى العمل من أجل العدالة الاجتماعية، فإن علاقته مع الهرمية الكنسية كانت متوترة منذ البداية، وبلغت حد القطيعة عندما التحق علنًا بقوات ELN في أكتوبر 1965 وبدأ يبرر العنف السياسي. ففي حوار مع الصحفي الفرنسي جان‑بيار سيرجان قبل ذلك بشهرين، برّر توريس صراحة «أخذ السلطة بالعنف» إذا رفضت «الأوليغارشية» التنازل عنها سلميًا، وهو ما دفع الكاردينال لويس كونشا آنذاك إلى التنديد بخياراته بوصفها «غير متوافقة مع التعليم الكنسي»، بينما طلب توريس نفسه تعليق صلاحياته الكهنوتية إدراكًا منه لهذا التناقض.
تحلّل «لا كروا» تأثيره على اليسار المسيحي في القارة، مشيرة إلى أن توريس ألهم مسارات كهنة ومناضلين آخرين مثل البوليفي نيستور باز، لكن مشاركته المباشرة في العمليات المسلحة بقيت استثناء حتى وسط دعاة لاهوت التحرير الذين لم يجعلوا من العنف جزءًا تأسيسيًا من خطابهم، كما يذكّر الباحث ميشال لوي في دراسة استشهد بها المقال. وعلى المستوى السياسي المعاصر، يبقى «الكاهن المقاتل» علامة فارقة في المتخيَّل اليساري الكولومبي؛ فالرئيس الحالي غوستافو بيترو، وهو بدوره مقاتل سابق في إحدى الحركات الثورية، يُعد من أبرز من يستحضرون رمزية توريس، بينما تستمر ELN في تقديم نفسها كحركة «كاميليّة» وإن كانت أنشطتها اليوم، بحسب غالييغو، تتركز إلى حد كبير على اقتصاد المخدرات بشكل يتنافى مع صورة المقاتل من أجل العدالة الاجتماعية التي صاغها توريس في ستينيات القرن الماضي.


