الدين كـ«بيزنس» عالمي: كيف يقرأ بول سيبرايت الأديان بعيون اقتصادي؟

أضيف بتاريخ 02/21/2026
دار سُبْحة

يقدّم كتاب «الاقتصاد الإلهي» للاقتصادي الفرنسي‑البريطاني بول سيبرايت قراءة للدين باعتباره نشاطًا اقتصاديًا واسع النطاق تحكمه منطق العرض والطلب والمنافسة، لا مجرد تجربة روحية فردية كما اعتادت العلوم الاجتماعية أن تصوره. ينطلق المؤلف، كما يلخّص مقال نشرته «لوموند»، من معطى رقمي لافت: دراسة أميركية عام 2016 قدّرت العائدات السنوية للمنظمات الدينية في الولايات المتحدة بنحو 378 مليار دولار، أي ما يعادل 60% من رقم معاملات قطاع الترفيه والإعلام، ما يسمح له بالقول إن الدين «صناعة» ثقيلة الوزن أكثر مما هو هامش رمزي في الاقتصاد.



وفق هذا المنظور، تُفهم الأديان بوصفها «منصات» تنتج خدمات مادية (لقاءات اجتماعية، تعليم، شبكات تضامن ومساعدة) وروحية في آن، وتقوم على نموذج اقتصادي خاص عنوانه الأساسي هو ولاء الأتباع. يشدد سيبرايت على أنّ تعقيد العقيدة يزيد «تكلفة الانتقال» من دين إلى آخر؛ فكلّما استثمر المؤمن وقتًا وجهدًا في تعلّم المعتقدات والطقوس وتوطيد علاقاته داخل الجماعة، أصبح أكثر تمسكًا بها وأقل استعدادًا للمغادرة، وهو ما يعزّز القيمة «اللا مادية» للكنيسة أو الجماعة الدينية. في هذا الإطار يذكّر الكاتب بشعار متداول في وصف المنصات الرقمية: «إذا كان المنتَج مجانيًا، فالمستخدم هو السلعة»؛ إذ يساهم المتدينون في بناء رأس مال جماعتهم، من خلال العمل التطوعي والدعم المالي والترويج، أكثر مما يتلقون خدمات جاهزة.

المقال يوضح أن سيبرايت يوسّع تحليله إلى أشكال التنظيم، فيرى أن الأديان الكبرى تلجأ غالبًا إلى أنماط تقارب «نظام الفرنشايز»، حيث تُكرَّر علامة تجارية وعقيدة أساسية عبر فروع محلية تتمتع بهامش تأويل وتحرك ضمن سلاسل قيادة غير شديدة التمركز. ويقدّم مثال الكنيسة الكاثوليكية التي استطاعت، في رأيه، أن تحافظ على «غرض اجتماعي» واحد طوال ألفي عام بفضل مزيج من «قوة ناعمة» تستند إلى الرمزيات والطقوس، وهيكلية توصف بأنها «مسطّحة على نحو مدهش» قياسًا بحجم المؤسسة وعدد أتباعها عبر العالم، ما يسمح بمرونة عالية في الانتشار والتكيّف.

في ما يخصّ السلطة داخل الأديان، يرى سيبرايت أن قوة رجال الدين لا تقوم على الإكراه المباشر بقدر ما تنبع من استعداد الأتباع لتسليمهم مفاتيح المعنى والنجاة، وهي قوة يحتاج استخدامها إلى ضوابط كي لا تنزلق إلى فضائح مالية أو عنف أو اعتداءات جنسية. يقترح المؤلف، كما ينقل المقال، أدوات تشبه آليات الحوكمة الحديثة في الشركات: زيادة كثافة الروابط الأفقية داخل الجماعات بحيث لا يبقى الأفراد الضعفاء معزولين، فتح المنظمات الدينية على تقييمات خارجية منتظمة (أشبه بالتدقيق المستقل)، وكسر ثقافة الصمت عبر تشجيع النقاش الصريح بين المؤمنين حول نقاط قوة مؤسساتهم ونقاط ضعفها، بدل الاكتفاء بخطاب طهراني حول القداسة.

أما العلاقة مع السلطة السياسية فيقرأها سيبرايت كنوع من «المقايضة» المستمرة؛ فالدول تستفيد من الشرعية الأخلاقية للأديان لتسهيل قبول سياساتها و«إقناع المواطنين بالتضحية»، في حين تحتاج الكنائس أحيانًا إلى حماية الدولة في مواجهة منافسين أو تهديدات خارجية. غير أن الارتهان المفرط للسلطة الزمنية ينتهي، بحسب تحليله، إلى نزع المصداقية عن الدين نفسه ودفع المؤمنين إلى الهجرة نحو عروض دينية منافسة تبدو أكثر استقلالية، في ما يشبه مفاضلة اقتصادية بين مكاسب قصيرة المدى وكلفة طويلة الأمد على صورة العلامة الدينية.

القراءة التي يعرضها مقال «لوموند» أن سيبرايت لا يتبنّى موقفًا معاديًا للإيمان بقدر ما يسعى إلى تفسير «منطق السوق» الذي يعمل في قلب الظاهرة الدينية، من دون أن ينفي بعدها الوجودي أو الأخلاقي. وبرأيه، ورغم التراجع النسبي لمستويات الممارسة في أوروبا الغربية، فإن «بيزنس الدين» عالميًا لم يكن يومًا أكثر ازدهارًا منه اليوم، ما يجعل النبوءة المنسوبة لمالرو عن قرن «سيكون دينيًا أو لا يكون» أقرب إلى توصيف لواقع اقتصادي‑ثقافي جديد، حيث تتجاور أشكال التدين التقليدي مع منظومات إيمانية وشبه إيمانية ناشئة، من الكنائس الرقمية إلى «ديانات» الذكاء الاصطناعي.