تزامنت الألعاب الأولمبية والبارالمبية هذا العام في إيطاليا مع شهر رمضان، حيث يصوم المسلمون من الفجر حتى الغروب ويكرسون الوقت للتأمل والعبادة والمشاركة المجتمعية. في ميلانو، المدينة متعددة الثقافات، تنتشر المراكز الإسلامية والمساجد وتستقبل المصلين والزوار. أما في محيط كورتينا دامبيتسو في الدولوميت، فتقل مساحات الصلاة، ومع ذلك يعمل السكان المسلمون منذ سنوات على بناء حضورهم المحلي.
في ميلانو، يفتح مسجد «الوحيد» أبوابه خلال رمضان لدعوة الضيوف إلى مشاركة الإفطار وصلوات المساء. يقع المسجد قرب حي نافيلّي وحصل على الاعتراف الرسمي كمكان عبادة منذ عام 2000. في أيام الجمعة، حين يزداد الحضور، يستقبل المسجد ممثلين من البلدية والمؤسسات المحلية والكنيسة الكاثوليكية ومجتمعات دينية أخرى. باتت موائد الإفطار المشتركة بين الأديان مألوفة في أماكن عديدة، في دول ذات غالبية مسلمة مثل إندونيسيا وباكستان، وكذلك في أستراليا والولايات المتحدة حيث يشكل المسلمون أقلية صغيرة.
تجمعات مسجد «الوحيد» ليست مخصصة لزوار الأولمبياد تحديدًا، لكنها تُقام أسبوعيًا حتى 14 مارس، عشية نهاية البارالمبياد. يقول الإمام يحيى بالافيتشيني، نائب رئيس رابطة COREIS، إن الأولمبياد لحظة رمزية تسمح للرياضة والثقافة والفنون بالمساهمة في تقليل الأحكام المسبقة والخوف من هوية دينية أو ثقافية بعينها. عند الغروب في 20 فبراير، اصطف عشرات المصلين كتفًا إلى كتف تحت مصابيح معلقة، ينتظرون الأذان قبل أن يفطروا على تمرات تُقدم على صوانٍ فضية، ثم جلسوا لتناول العدس والأرز واللحم والماء قبل أن يختتموا الأمسية بالصلاة.
يقدّر تقرير صدر عام 2025 عن مؤسسة ISMU البحثية في ميلانو أن نحو 400 ألف مسلم يعيشون في لومبارديا، أكبر أقاليم إيطاليا من حيث عدد المهاجرين وتشمل مدينة ميلانو، ثاني أكبر مدن البلاد. وتشكل الجاليتان المغربية والمصرية أكبر المجموعات، إلى جانب حضور من بنغلادش وباكستان والبوسنة وغيرها.
في كورتينا دامبيتسو، على ارتفاع يقارب 1,220 مترًا، أفاد ثمانية مسلمين بأن العثور على مكان للصلاة أمر شاق. هذه البلدة الجبلية الفاخرة المعروفة بـ«ملكة الدولوميت» لا يتجاوز سكانها خمسة آلاف نسمة، ونحو نصفهم من الأقلية اللادينية التي استوطنت أنبيزو قبل نحو ألف عام. ربّاح بوبجتيّن، الذي يعمل سائقًا ضمن فريق أمن قطري في الألعاب، قال إن أقرب مسجد وجده كان في برونيكو، وتستغرق الرحلة إليه أكثر من ساعة على طريق صعب، وقد اهتدى إليه عبر وسائل التواصل بعدما عجز عن العثور عليه عبر محركات البحث.
يضيف ربّاح أن جنسيات عدة تعمل في الحدث، من الجزائر وتونس ودول إفريقية أخرى، إضافة إلى قطريين، وجميعهم يبحثون عن مكان للصلاة وغالبًا ما لا يجدونه. تتوافر قاعات صلاة مشتركة بين الأديان في قرى سكن الرياضيين عبر الألعاب المتفرقة، لكنها غير متاحة لعامة الجمهور. في مناطق أخرى من الدولوميت، ينظم السكان مساحات بسيطة للعبادة، ويشيرون إلى توفر أماكن صلاة كافية حول برونيكو، التي يبلغ عدد سكانها نحو 17 ألفًا، إلى جانب محلات جزارة ومتاجر حلال تخدم المجتمع المحلي.
شهدت صلاة الجمعة في برونيكو حضورًا يقارب 120 شخصًا جلسوا على أرضية مزدحمة تحيط بها ستائر، واستمعوا إلى خطبة بالإيطالية قبل أن تُجمع تبرعات لتغطية الإيجار وفواتير الخدمات. يقول كريم واردي، وهو طالب يبلغ 20 عامًا ومن أب مغربي مسلم وأم إيطالية كاثوليكية، إن ممارسة رمضان والصلاة ممكنتان في إيطاليا، رغم صعوبة العثور على مسجد في كل مكان، وإن الوضع في هذه المنطقة مقبول حتى الآن. يشير واردي أيضًا إلى أن دعوة غير المسلمين إلى موائد الإفطار أو مشاركة تقاليد رمضان أمر غير شائع في برونيكو، ليس رفضًا بل لضعف الاهتمام.
إيطاليا تشهد تحولات ديموغرافية وثقافية واسعة. فمع أن الغالبية من سكانها البالغين نحو 59 مليونًا يحملون المعمودية الكاثوليكية، إلا أن نسبة أقل تواظب على حضور الكنيسة. يبلغ عدد المسلمين 1.7 مليونًا، وقد تخطوا لأول مرة 30% من إجمالي الأجانب المقيمين، وفق ISMU. ومع الهجرة خلال العقد الماضي تصاعدت نزعات يمينية مناهضة للمهاجرين في أجزاء من أوروبا، فيما تعهّدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني بتشديد السياسات للحد من الهجرة غير النظامية منذ تولّيها المنصب عام 2022.
جزء كبير من المسلمين في إيطاليا من أصول مهاجرة، إلى جانب زيادة ملحوظة في المسلمين الإيطاليين من الجيل الثاني والمُعتنقين والمولودين في البلاد، كما يؤكد بالافيتشيني. عند اقتراب الساعة السابعة مساءً، صدح الأذان في مسجد «الوحيد» فانحنى الرجال والنساء معًا وسجدوا، وكانت أمينة كروتشه بينهم، وهي شابة وُلدت لأبوين كاثوليكيين إيطاليين اعتنقا الإسلام وربّياها عليه. تقول إن المسجد كان «جزءًا مؤثرًا في تكوينها»، وترى أن المكوّن الإسلامي جزء من تاريخ أوروبا وثقافتها الأوسع، وتأمل أن ينال تقديرًا أكبر مستقبلًا.


