رمضان والاستهلاك: رأي العربي الجعايدي – PCNS

أضيف بتاريخ 02/25/2026
دار سُبْحة

يعرض العربي الجعايدي في مقالٍ منشور لدى Policy Center for the New South نظرةً تُقارب رمضان بوصفه زمناً يتكثّف فيه الوعي الديني والممارسة الجماعية، حيث يُفهم الصوم كتمرينٍ على تهذيب الرغبة وترتيب الحاجات وبناءٍ أخلاقي مشترك. ويُلاحظ أن شهر الاعتدال قد ينقلب في بعض السياقات إلى موسم إنفاقٍ مفرط وتضخّمٍ غذائي، بما يكرّس مفارقةً بين مقصد الصوم وسلوك الاستهلاك.



تفيد قراءة الكاتب بأن انتظار الشهر يرتبط في الوعي الجمعي بكونه مذكوراً في القرآن وتتضاعف فيه مظاهر الرحمة والالتئام على الصلاة والتلاوة حتى ختم الكتاب في الليالي الأخيرة، وأن هذه الخبرة تتأسس على البساطة والانضباط والتكافل. لا يُقدَّم الحرمان كغايةٍ ذاتية، بل كتجربةٍ تُحوِّل الجوع إلى معرفة بالحدّ وتعاطفٍ مع المعوزين، وتمكينٍ للإرادة من التمييز بين الضروري والكمالي.

ويُستشهد بالتراث الصوفي لتوضيح المعنى الداخلي للصوم؛ إذ تُظهر قراءة أبي حامد الغزالي في «إحياء علوم الدين» أن الصوم الحق يتجاوز ظاهر الأحكام إلى حفظ الجوارح وصيانة القلب، مع تمييزٍ بين صوم العامة وصوم الخاصة وصوم خاصة الخاصة الذي يطهّر القلب من التعلّقات ليتوجّه بكليّته إلى الله. وتُطرح وظيفة تربوية للجوع تُخفّف البدن وتجلّي الذهن وتزيد قابلية الروح للتأمل، مقابل أثر الوفرة الحسية في تثقيل الإدراك وحجبه.

كما تُقدَّم رؤية ابن عربي باعتبار الصوم فعلاً بالامتناع وخفاءً بلا شكل، بما يعني إرادةَ تحرّرٍ من الحاجة؛ فالصائم، بحسب هذا التأويل، يُجرّب تعليق الاستجابة الفورية واستقلالاً عن الإلحاح المادي، ما يجعل الإفراط عند الإفطار نفياً لفرصة «الفراغ الخصيب» الذي يكشف الداخل وينقّيه.

ويُضاف منظور جلال الدين الرومي الذي يصف الصوم كحالةٍ للروح؛ فالجوع توتّرٌ دافئ نحو الحضور الإلهي، والانتظار قبيل الإفطار يُعاد تعريفه كمشهدٍ للشهود لا كتعويضٍ آني. وبناءً على ذلك، يُرى أن اختزال رمضان إلى تناوبٍ بين حرمان النهار وتعويض الليل يفقد الإشارة الرمزية للصوم التي تُفتح فيها مساحةٌ للوعي.

وتُسجّل المقالة أن هذه المعاني تواجه سياقاً استهلاكياً نشطاً في مجتمعاتٍ مسلمة عديدة، حيث يتضاعف الطلب على الحلويات والأغذية المصنّعة، وتنتشر موائد عامرة ويزداد الهدر الغذائي. وتُعزى المفارقة إلى عوامل اجتماعية واقتصادية ونفسية متداخلة: اجتماعياً يُصبح الإفطار مناسبةً تمثيلية تُقاس فيها الضيافة بالوفرة والتنوّع أكثر من الاعتدال، واقتصادياً تُسَوِّق الشركات رمضان موسماً للطلب وتستثمر عواطف الأسرة والحنين والمشاركة، ونفسياً يعمل توتّر الصوم وآلية «الحرمان ثم المكافأة» على دفع الإفراط بما يُنافي المقصد التربوي للصوم إذا تكرّس.

وتُبيّن الآثار بأن الميزانيات الأسرية ترتفع، خصوصاً لدى الفئات المتوسطة والضعيفة، مع ضغط المواسم السعرية واتساع الهدر، بما يناقض أخلاقيات الشكر وحفظ النعمة. ومن ثمّ تُطرَح مسألة الاتساق: كيف يُحدِث الصوم أثراً مستداماً إذا أعقبته ممارسات فرطٍ ممأسسة؟ وكيف يُحافظ على سيادةٍ داخلية في بيئةٍ تُمجِّد الاستهلاك؟

وتخلص القراءة إلى أن المطلوب ليس إدانة الأفراد بل إعادةُ معنى الممارسة لاستعادة روح الاعتدال والمشاركة؛ إذ يُمكن لِفطورٍ بسيطٍ ومتوازنٍ ومتقاسَم أن يُجسّد مقصد الصوم أكثر من الموائد المكتظة، ويمكن لترشيد الشراء أن يُقلّل الهدر ويصون الموارد، وتوجيه جزءٍ من الإنفاق نحو العمل الخيري والزكاة أن يُعيد البعد الاجتماعي للشهر المبارك. بهذه المقاربة يُفهم رمضان كمدرسةٍ لتحويل الداخل لا مناسبةٍ للطعام، ومساحةٍ لقياس الرغبة لا مسرحاً لتغذيتها.