تعتبر السينما مجالًا خصبًا لطرح القضايا التي تمس الروح والعقيدة، فهي ليست مجرد صناعة ترفيهية بل تعكس قضايا وجودية وأبعاد فلسفية عميقة. عبر تاريخها، تساءلت السينما عن مواضيع الإيمان، الصمت الإلهي، والخلاص، وذهبت أبعد من تقديم سرديات أدبية لتخوض في أسئلة إنسانية شائكة تتعلق بالبحث عن المعنى ووجود الله في حياة الإنسان.
في مقال لعبد الله الساورة بعنوان "سينما الإيمان على الشاشة الفضية"، تبرز السينما الروحية باعتبارها نموذجًا فريدًا يتقاطع فيه الإنسان والمطلق. من خلال تناول أفلام مثل "First Reformed"، يوضح الكاتب كيف يمكن للإيمان أن يتحول إلى صراع داخلي يمس قضايا وجودية كالبيئة واليأس الروحي. ينتقل السينما هنا من كونها مجرد قصة سردية إلى طقس تأملي ورحلة بحث عن المعنى في ظل تساؤلات حول الألم والرجاء.
كما يبرز مقال "السينما الروحية .. جماليات الصمت والفراغ" لنفس المؤلف كيف تعكس الأفلام الروحية علاقة الإنسان بوجوده. في أعمال رمزية بارزة مثل "The Tree of Life"، يُطرح سؤال الخلق والمعاناة عبر مشاهد بصرية مذهلة تجعل الصورة تتحدث بما هو أعمق من الكلمات. السينما هنا لم تركز على الدين بحد ذاته، لكنها استغلت الصمت والزمن ليكونا مرآة للروح في مواجهة الأسئلة الكبرى حول الحياة والموت.
أما في مقال "تجربة السينما الصوفية"، فتحضر الأفكار الصوفية كمحور أساسي. الأفلام مثل "Bab Aziz" و"النرجس الأسود" تقترب من التصوف بوصفه رحلة داخل الذات وخارجها، حيث يتحول اليقين إلى شك يتخطى الحدود التقليدية، مما يتيح للمشاهد اختبار معنى جديد للخلاص. تستند هذه الأعمال إلى رموز وأيقونات دينية وروحية، لتشكّل أفقًا يفتح باب التساؤل بدلًا من تقديم الإجابات الجاهزة.
السينما الروحية والصوفية تسعى لتقديم نظرة مختلفة عن الدين ليس كقواعد صارمة أو شعائر، بل كمجال للاختبار الروحي. إنها سينما تُثير العقل عبر الصورة وتجعلها وسيلة للتفكير بدلًا من التلقين، وهو ما يجعلها تجربة إنسانية عميقة لا تكتفي برصد الحدث بل تعتمد على طرح الأسئلة التي تتجاوز النصوص المكتوبة.


