يشير عنوان مؤلف «حقائق ومعتقدات في القرن الحادي والعشرين» الصادر عن منشورات «لا ديكوفرت» إلى انشغال بحثي جماعي بواحد من أكثر موضوعات العصر حساسية، وهو الكيفية التي تُصاغ بها الحقيقة اليوم في مجتمعات باتت تعيش على إيقاع تدفق رقمي متواصل، وتَداخل غير مسبوق بين المعرفة الرصينة والآراء والانطباعات الفردية. ويبدو أن هذا العمل يندرج في سياق سلسلة من الكتب والأبحاث التي تستكشف أزمات الثقة، وبناء المصداقية، والعلاقة الملتبسة بين الوقائع العلمية والتمثلات الاجتماعية في المجال العام المعاصر.
تُظهر الوثائق المرتبطة بالمشروع العلمي «حقائق ومعتقدات في القرن الحادي والعشرين» اهتماماً مركزياً بمسألة تشكل المعتقدات وأنماط تلقي الحقيقة داخل الفضاءات الاجتماعية والسياسية والإعلامية، مع تركيز خاص على القضايا التي تقسم الرأي العام مثل تغير المناخ، والتطعيم، والجدل حول سياسات الصحة العامة، وما ينتج عنها من توترات بين الخبرة العلمية والقناعات الشخصية. ويُطرح السؤال عن الأدوات النظرية والمنهجية التي تسمح بفهم تنوع المواقف تجاه الوقائع العلمية، وعن الكيفية التي تتبلور بها أشكال الإجماع أو الاستقطاب داخل الشبكات الاجتماعية والمنصات الرقمية، حيث يتقاطع التفاعل العفوي مع استراتيجيات تواصلية منظمة
يُستشف من نداءات المشاريع المرتبطة بهذا المحور البحثي حرص واضح على مقاربة متعددة التخصصات تستدعي علوم السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع والقانون والتاريخ والأنثروبولوجيا والفلسفة، إلى جانب دراسات الخطاب والنصوص. ويُطلب من المساهمين الاعتماد على مواد تجريبية متنوعة، من الأرشيف والتحقيقات الميدانية وتجارب المختبر إلى قواعد البيانات الضخمة، بما يعكس توجهاً نحو دراسة ملموسة لآليات إنتاج الحقيقة وتلقيها بدل الاكتفاء بالتأمل النظري المجرد. ويُمنح اهتمام خاص للمرحلة المعاصرة، حيث تتقاطع تحولات الإعلام الرقمي مع تحولات في أنماط السلطة والخبرة والمعرفة داخل المجتمعات الديمقراطية
في هذا الإطار، تُطرح أسئلة حول الحدود المتحركة بين «الحقيقة» و«الرأي» و«المعتقد»، وحول كيفية انتقال ما يُقدَّم على أنه حقيقة علمية إلى حقل التنازع الهوياتي أو السياسي حين يتصل بقضايا تمس نمط الحياة أو القيم أو التصورات الأخلاقية. ويُشار إلى أن رفض بعض الحقائق العلمية أو الطعن في الجهات المخولة بإنتاجها يمكن أن يشكل في حد ذاته عنصراً من عناصر بناء الهوية، أو تعبيراً عن موقف إبستمولوجي رافض لما يُنظر إليه كمنظومة «رسمية» للمعرفة. بهذا المعنى، لا تُقرأ الممانعة تجاه العلم فقط كجهل أو تضليل، بل أيضاً كأداة تموضع داخل مشهد اجتماعي وسياسي متوتر.
كما يبدو أن المشروع يهتم بفهم كيف تُنتج الشبكات الاجتماعية فضاءات مغلقة نسبياً يعزز فيها الأفراد قناعات متقاربة، ما يسهم في ترسيخ «حقائق» متباينة أحياناً داخل المجتمع الواحد، انطلاقاً من انتقاء انتقائي للمصادر أو منطق الخوارزميات الذي يفضّل التكرار والتشابه. ومن هنا يبرز سؤال إمكانية رصد تشكل «توافقات» محلية داخل هذه الفضاءات الرقمية، وكيف يمكن تحليل ديناميات التأثير، والتكرار، والسلطة الرمزية التي يمارسها بعض الفاعلين أو «الوسطاء» المعرفيين في تشكيل المعتقدات.
الاشتغال على موضوع الحقيقة والمعتقد في القرن الحالي يتقاطع أيضاً مع نقاشات أوسع حول موقع العلم في الثقافة المعاصرة، وحول امتداد النقد ما بعد الحداثي لمفهوم الحقيقة الواحدة لصالح رؤى تؤكد نسبية المعايير وتعدد المرجعيات. وتشير تحليلات فلسفية إلى أن مشروع التنوير رسخ نمطاً من الإيمان بالعلم كضامن للحقيقة، قبل أن تشهد المجتمعات الغربية لاحقاً موجة تشكيك في هذا الامتياز، وميلاً إلى اعتبار الفرد أو الجماعة المحلية مرجعاً أخيراً للمعنى والقيمة، مع ما يرافق ذلك من إعادة تعريف لمفهوم الحقيقة ذاته. ويتقاطع هذا المسار مع انتقال جزء من النقاش الأخلاقي والقيمي إلى ساحة القانون والدولة، حيث تكتسب السلطة التشريعية والقضائية دوراً محورياً في تحديد ما يعد سلوكاً مقبولاً أو مرفوضاً داخل المجال العام.
من جهة أخرى، تُظهر نصوص صادرة عن مؤسسات بحثية متخصصة أن موضوع «حقائق ومعتقدات في القرن الحادي والعشرين» لا يُختزل في علاقة الفرد بالمعلومة الرقمية فحسب، بل يشمل أيضاً دور المؤسسات التعليمية والعلمية والإعلامية في ترسيخ معايير للنقاش العمومي وموازنة بين حرية التعبير ومتطلبات الدقة والتمحيص. ويبدو أن ثمة اهتماماً خاصاً بقدرة العلوم الاجتماعية على تحليل هذا التشابك بين البنى المؤسساتية وسلوك الأفراد، وبين التغيرات التقنية والبنى العميقة للثقة والشرعية داخل المجتمعات.
هكذا يندرج العمل المنشور لدى «لا ديكوفرت» ضمن لحظة فكرية تحاول التقاط ملامح عالم يتراجع فيه الاحتكار التقليدي للخبرة والمعرفة، وتتعدد فيه قنوات إنتاج المعنى والتفسير، وتتعايش داخله سرديات متنافرة حول الواقع ذاته. ومن خلال مساهمات باحثين ينتمون إلى حقول معرفية مختلفة، يبدو أن الكتاب يسعى إلى تقديم أدوات مفهومية وتحليلية تساعد على فهم كيف تتكون المعتقدات اليوم، وكيف تُدار الخلافات حول الحقيقة في فضاءات عامة متشظية، دون الانزلاق إلى أحكام معيارية أو تبسيطات اختزالية.



