النفوذ الروسي المتصاعد في إفريقيا يمر عبر بوابة الدين

أضيف بتاريخ 02/27/2026
دار سُبْحة

يتضح أنّ موسكو باتت تنظر إلى القارة الإفريقية بوصفها فضاءً استراتيجياً واسعاً يضم 54 دولة وأكثر من مليار نسمة، وفرصة لإعادة نسج حضور دولي تحاول استعادته منذ انهيار الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينيات، بعد دور سابق في دعم حركات الاستقلال خلال ستينيات القرن الماضي. ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا في فبراير 2022، أعادت القيادة الروسية ترتيب أدوات نفوذها في إفريقيا، في سياق تنافسي مع قوى أخرى مثل الصين التي أرست خلال العقود الأخيرة شراكات اقتصادية عميقة وبنت بنى تحتية كبرى جعلتها الشريك التجاري الأول للقارة.



ترافق هذا التحول مع سياسة روسية تقوم على استثمار الأزمات الغذائية العالمية التي صاحبت الحرب الأوكرانية، إذ تحركت موسكو لتعويض جزء من اضطراب صادرات الحبوب والأسمدة من خلال تقديم تبرعات لبعض الدول الإفريقية، في رسالة تجمع بين البعد الإنساني المعلن والحسابات الجيوسياسية الضمنية. وبالتوازي، أنشأ الكرملين مكتباً مخصصاً لمتابعة العلاقات مع الدول الإفريقية، في خطوة تعكس إرادة تنظيم هذا الحضور وتنسيقه على المستويين السياسي والثقافي.

على الصعيد الثقافي والمعرفي، عملت روسيا على فتح سبعة مراكز لغوية وثقافية في عدد من البلدان الإفريقية، بما يهدف إلى نشر اللغة الروسية وتعزيز صورة البلد لدى الأجيال الشابة. وتشير المعطيات المتاحة إلى أنّ أكثر من 32 ألف طالب إفريقي يتابعون دراستهم في الجامعات الروسية، في مؤشر إلى رهان موسكو على تكوين نخب مستقبلية ذات صلات مهنية وفكرية بالمؤسسات الروسية. هذا الاستثمار في التعليم والثقافة يندرج ضمن ما يعرف بـ«القوة الناعمة» التي تسعى من خلالها الدول إلى بناء نفوذ طويل الأمد يتجاوز الأبعاد العسكرية والاقتصادية التقليدية.

البعد الأكثر لفتاً للانتباه في هذه الاستراتيجية يتمثل في توظيف الدين كأداة تأثير، عبر توسيع حضور الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في القارة. فقد شهدت السنوات الثلاث الأخيرة توسعاً سريعاً لانتشار هذا المذهب، إذ جرى الإعلان عن وجود الكنيسة في ثلاثين دولة إفريقية، مع تأسيس نحو 350 رعية جديدة خلال فترة وجيزة. وتعزى هذه الوتيرة المتسارعة إلى سياسة استقطاب تستند إلى تقديم رواتب مجزية للقساوسة المحليين، مع وعود ببناء كنائس جديدة وترقيات سريعة داخل الهيكل الكنسي، ما جعل الانضمام إلى هذه المؤسسة خياراً جاذباً لعدد من رجال الدين.

وتكشف شهادات دينية محلية أنّ الرهان الروسي على الواجهة الدينية ليس عرضياً، إذ يرى بعض رجال الدين أنّ القادة الروحيين ما زالوا يحظون في مجتمعات عدة في القارة بثقة واحترام أكبر من الفاعلين السياسيين. وتُمنح للمؤسسات الدينية في عدد من البلدان أدوار مؤثرة في العملية الانتخابية، وفي قضايا التنمية الاجتماعية، ما يجعل النفاذ عبر الكنيسة أداة فعالة لبناء شبكة تأثير اجتماعي وسياسي غير مباشر. في هذا السياق يُقدَّم استثمار موسكو في الكنيسة بوصفه شكلاً من أشكال القوة الناعمة التي تلتقي فيها الرمزية الدينية مع اعتبارات النفوذ الجيوسياسي.

غير أنّ هذا الحضور الروحي لا ينعكس، وفق المعطيات المتاحة، في تجنيد مباشر للمقاتلين لصالح الجيش الروسي في أوكرaina. فملف مشاركة أفارقة في القتال أو في الصناعات العسكرية الروسية يبدو مرتبطاً بقنوات أخرى أكثر تعقيداً، تتداخل فيها شبكات تجنيد واستغلال هشاشة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لبعض الفئات. تقارير عدد من المنظمات غير الحكومية تشير إلى أنّ مئات من مواطني دول إفريقية نُقلوا إلى روسيا تحت ذرائع مضللة، قبل أن يُدفع بهم إلى جبهات القتال أو إلى العمل في تصنيع الطائرات المسيّرة.

وتسلط هذه التقارير الضوء على حالات فردية أثارت اهتمام الرأي العام المحلي في بعض البلدان، من بينها اتهامات وُجهت في جنوب إفريقيا إلى دودوزيلي زوما-سامبدولا، ابنة الرئيس السابق جاكوب زوما، بالمشاركة في عمليات تجنيد لصالح روسيا، وهو ما فتح نقاشاً قضائياً وسياسياً داخلياً حول مدى تورط شخصيات معروفة في هذا النوع من الأنشطة. كما وردت إشارات إلى تحقيقات جارية في بوتسوانا وليسوتو بهدف توضيح المسارات التي قادت بعض مواطنيهما إلى الأراضي الروسية للمشاركة في القتال.

في ضوء هذه العناصر، يبدو أنّ موسكو تعتمد مقاربة متعددة المستويات في إفريقيا، تتداخل فيها الدبلوماسية الرسمية مع أدوات ثقافية وتعليمية ودينية، إلى جانب آليات غير شفافة تتصل بتجنيد الأفراد. ويضع هذا التداخل الدول الإفريقية أمام تحدي الموازنة بين الاستفادة من الشراكات الجديدة وبين الحاجة إلى ضبط حدود النفوذ الخارجي، خاصة عندما يتقاطع مع البنى الدينية والاجتماعية المحلية أو مع قضايا الأمن والهجرة. بهذا المعنى، لا يقتصر الحضور الروسي في إفريقيا على صفقات الحبوب والسلاح، بل يمتد إلى الفضاءات الرمزية التي تشكل جزءاً حساساً من النسيج المجتمعي للقارة.